الكاتب : النهار
التاريخ: ٢١ سبتمبر-٢٠٢٦       6875

بقلم: عبدالله محمد القرني

تتحول الخطوات على أرض الوطن إلى مساحات تنبض بالحياة والتلاحم، فحين يلتقي شغف الرياضة بعراقة التاريخ، تتجسد حكايات الانتماء في أبسط تفاصيلها وأعمق معانيها. ومن نبض الميدان ومبادراته الملهمة، تتأكد ريادة المملكة في صناعة مجتمع حيوي ينطلق من الإرث العريق ليصنع مستدامة الرؤية.
وفي قلب حائل، ومع احتفاء الوطن بيومه الوطني السادس والتسعين، تنطلق يوم الأربعاء 12 ربيع الآخر 1448هـ الموافق 23 سبتمبر 2026م، فعالية «على خُطى حاتم الطائي» التجريبية الأولى –بإنطلاقٍ من حديقة السمراء في تمام الساعة السادسة صباحاً– وذلك ضمن مبادرة صاحب السمو الملكي الأمير عبدالعزيز بن سعد بن عبدالعزيز لإحياء دروب القوافل في المنطقة. يجتمع مشاة من مختلف مناطق المملكة؛ وجوه جمعتها الرياضة والمحبة، فلا العمر ولا المهنة ولا المكانة تصنع بينهم حاجزاً. وما إن تبدأ الخطوات حتى يصبح الطريق مساحة للتعارف، وتتحول الدروب القديمة إلى حكاية وطنية تُروى بالأقدام.
هناك يدرك الماشي أن المشي أوسع من انتقال بين نقطتين، وأعمق من أرقام تسجلها التطبيقات والساعات الذكية. إنه وقت تستعيد فيه الروح هدوءها، ويسترد الجسد نشاطه، وتنشأ بين الناس علاقات يصعب أن تصنعها المجالس المغلقة. ومن هذه الصورة تبدأ حكاية مشاة السعودية؛ من خُطى الأجداد ، إلى مسارات حديثة تعيد تشكيل جودة الحياة في وطن يمضي بثقة نحو رؤية السعودية 2030.
قبل السيارات والطرق المعبدة، رسمت أقدام الأجداد خرائط المكان. ساروا بين القرى طلباً للرزق، وعبروا الجبال إلى الأسواق، ووصلوا الأرحام، ورافقوا القوافل والحجاج. لم يكن المشي عندهم رياضة مستقلة، بل أسلوب حياة ووسيلة للعيش والتواصل ومعرفة الأرض.
ولا تزال المملكة تحتفظ بدروب تحمل تلك الذاكرة. ففي جبال الهدا بالطائف يمتد درب كرا، المعروف بدرب الجمالة، شاهداً على عبور المشاة والقوافل بين الطائف ومكة المكرمة. وعلى امتداد طريق الهجرة النبوية بين مكة والمدينة، تعيد التجارب السياحية والثقافية تقديم المواقع المرتبطة بالهجرة في صورة تصل الزائر بالسيرة والمكان. وحين تعود هذه الدروب إلى الحياة، فإننا لا نرجع إلى الماضي، بل نصطحب ذاكرته معنا إلى المستقبل.
ومع رؤية السعودية 2030، تغيرت علاقة الإنسان بالمدينة والطبيعة والرياضة. لم تعد جودة الحياة تقاس بالطرق والمباني والخدمات وحدها، بل بقدرة الإنسان على أن يجد بالقرب منه حديقة ومساراً ومساحة آمنة يمارس فيها نشاطه ويلتقي بمجتمعه. ولهذا وضع برنامج جودة الحياة تعزيز ممارسة الأنشطة الرياضية ضمن أهدافه، فأصبح المشي جزءاً من التخطيط الحضري اليومي.
ويقدم المسار الرياضي في عاصمتنا الرياض نموذجاً واضحاً لهذا التحول؛ فهو متنزه طولي يتجاوز 135 كيلومتراً، يربط غرب العاصمة بشرقها ويضم مسارات للمشي والجري والدراجات والخيل، إلى جانب المساحات الخضراء والمرافق الرياضية والثقافية. فالمشروع لا يختصر المسافة بين جهتين، بل يفتح للناس طريقاً إلى نمط حياة أكثر حركة، ويعيد للمدينة جانباً من بعدها الإنساني.
وتتنوع تجربة المشي بتنوع المملكة. ففي جدة ترافق الخطوات نسيم البحر، وفي أبها تمضي بين الجبال والضباب، وفي العلا تعبر الواحات والشواهد التاريخية، وفي الطائف تسلك دروباً حجرية تحمل آثار الأجداد. وهذا التنوع يمنح المملكة فرصة واسعة لتطوير سياحة المشي والهايكنج، وجعلها وسيلة لاكتشاف تضاريس الوطن وثقافاته وقصص أهله.
غير أن المسار، مهما بلغت جودته، يحتاج إلى الإنسان الذي يمنحه الحياة. وهنا يبرز دور جمعيات ومجموعات المشي في مناطق المملكة، ومنها جمعية مجتمع المشاة بالرياض وغيرها من الفرق والمبادرات. فقد نقلت هذه الجهات المشي من ممارسة فردية إلى نشاط مجتمعي منظم؛ للمسيرة قائد، وللمشاركين برامج ومسافات تناسب قدراتهم، وللمبتدئ رفقة تشجعه على الاستمرار.
ومشاة السعودية بهذا المعنى سفراء للصحة والبيئة والسياحة الداخلية. فكل مجموعة تمشي في حي أو وادٍ أو جبل تشجع آخرين على الحركة، وتعيد الناس إلى الطبيعة، وتبني بينهم روابط إيجابية. وتصبح الرحلة فرصة للتوعية الصحية، وخدمة البيئة، والتعريف بمعالم المدن والقرى، ودعم الاقتصاد المحلي.
أما الخطوة القادمة، فيمكن أن تكون بإذن الله إنشاء شبكة وطنية موحدة لمسارات المشي والهايكنج، تجمع المسارات الحضرية والطبيعية والتاريخية في جميع المناطق. شبكة توفر خرائط رقمية، وتصنف المسارات بحسب أطوالها وصعوبتها، وتعرّف بتاريخ كل طريق، وتحدد نقاط الماء والراحة والإسعاف والطوارئ. كما تراعي كبار السن والأشخاص ذوي الإعاقة، وتحمي الغطاء النباتي والمواقع الأثرية من الاستخدام العشوائي.
ويمكن ربط هذه الشبكة بالقرى والمزارع والأسر المنتجة والمرشدين المحليين؛ ليصبح الماشي داعماً لاقتصاد المنطقة، ومتذوقاً لثقافتها، ومستمعاً إلى قصص أهلها. كما يمكن أن تعود دروب تاريخية أخرى، وهي كثيرة بالمملكة ، عبر تجارب مدروسة تحفظ قيمتها وتقدمها للأجيال بلغة تجمع المشي بالتاريخ والسياحة.
عندما يمشي السعوديون اليوم في مسارات مدنهم، أو بين الجبال، أو على شواطئ البحر الأحمر، أو فوق دروب الأجداد، فإن كل خطوة تسهم في تحول صحي واجتماعي وثقافي. وكل درب تاريخي يعود إلى الحياة يقوي صلة الإنسان بأرضه، ويمنح الزائر فرصة لقراءة تاريخ المملكة من الميدان.
ومن «خُطى حاتم الطائي» في حائل إلى المسار الرياضي في الرياض، تتصل الذاكرة بالطموح، ويلتقي أثر القافلة بمسار المدينة الحديثة. فالرؤية طريق، وجودة الحياة غاية، وكل خطوة واعية تقرّبنا من الوصول.