الكاتب : النهار
التاريخ: ٢١ سبتمبر-٢٠٢٦       5995

 عزة القصابي-النهار

تتواصل عروض مهرجان ظفار الدولي للمسرح، مقدمةً تجارب مسرحية متنوعة تحظى بمتابعة جماهيرية لافتة، تتعدد فيها اللغات والرؤى الفنية. وقد حرص المهرجان على ترجمة عدد من العروض التي تُقدَّم بلغات غير عربية، بما يتيح للجمهور الاقتراب من تجارب مسرحية تنتمي إلى ثقافات مختلفة والاطلاع على أشكال تعبيرية تتجاوز حدود اللغة.
العرض الإماراتي (غياهب الروح)... 
حين تُطحن الحرية في رحى القمع والاستبداد
جاء عرض (غياهب الروح)  من تأليف الكاتب عبدالله إسماعيل وإخراج عبدالرحمن الملا.. حاملاً خطابًا رمزيًا كثيفًا.. يستدعي ثنائية القمع والاضطهاد ليضع المتلقي أمام أسئلة تتصل بالحق والعدالة والبحث عن الخلاص.
ينطلق العرض من شخصية /سوهاج/ بوصفها تجسيدًا للروح التي تنادي بقيم العدالة والحرية  لكنها سرعان ما تصطدم بسلطة القمع. وتظل روح سوهاج في حالة نضال ودفاع مستمر عن المبادئ التي تؤمن وتعتقد بها، فيما تستمر /الرحى/ في الدوران وكأنها دائرة مغلقة لا تنتهي بحثًا عن العدالة وملاذ آمن.
وشاهدنا سوهاج.. وهي تدور داخل /صحن الرحى/ وتظل تدور وتدور دون جدوى في صورة بصرية تختزل حالة الدوران داخل واقع مأزوم، حيث يبدو الخلاص بعيد المنال.
واستثمر المخرج الفضاء المسرحي بصورة رمزية فجعل منه هيكل على هيئة شبكة ... لتظهر /سوهاج/.. وهي تقبع داخل هذا الحصار. إنها الفتاة التي أرادت التمرد على الآلهة/ الراهب/ الحاكم في معبده.. لكنه سرعان ما واجه تمردها بالقمع والعقاب.. لمجرد أنها حاولت كسر طوق الطاعة وعصيانه..لتدفع ثمن ذلك غاليًا.
ويظهر (الراهب، الحاكم) جالسًا داخل هيكله الكبير.. مرتديًا ثوبًا ناصع البياض كأثواب الرهبان في صورة تحمل مفارقة بين مظهر القداسة وممارسة السلطة والقمع. ومن موقعه، يهدد ويتوعد (سوهاج، صوت الحق) معلنًا رغبته في القضاء عليها.
ولا يتوقف القمع عند /سوهاج/ وحدها.. بل يمتد إلى طفلتها التي تمثل /الأمل/. فالراهب يقتل الطفلة ويتخلص منها فتختفي «طفلة سوهاج»... وباختفائها ينتهي الأمل الذي كانت تعيش عليه. قُدِّم العرض بلغة سردية مكثفة، كشفت تفاصيل حياة الشخصيات ومساراتها، لكنها في الوقت ذاته وضعت المشاهد أمام خط ذهني يتجاوز الواقع المباشر، ويحلق به نحو أبعاد سياسية وثقافية، محمّلة بإسقاطات متعددة.
واستطاع الكاتب عبدالله إسماعيل أن يعرج بقصة /سوهاج/.. نحو فضاءات رمزية أوسع؛ إذ بدت الشخصية في كثير من لحظات العرض وكأنها تتجاوز حضورها الفردي لتصبح صورة للشعب المقموع تحت وطأة الاستبداد.

فسوهاج هي الشعب، أو الرعية المستضعفة التي لا حول لها ولا قوة، ولا تملك سوى الانقياد. وحين تحاول (سوهاج، صوت الشعب) التمرد، سرعان ما تواجه القمع من جانب (الراهب/ الحاكم) في إشارة رمزية إلى علاقة السلطة بالمجتمع حين تتحول القوة إلى وسيلة لإخضاع الآخر وإسكات صوته.
السينوغرافيا... الحاجز الذي يحجب الحقيقة
أسهمت السينوغرافيا في منح العرض بعدًا جماليًا ورمزيًا، وانتشلته من مجرد سرد الحكاية ومعاناة شخوصها إلى فضاء بصري أكثر كثافة. وكان للإضاءة حضور فاعل في تكثيف الفعل المسرحي ومؤازرة الشخصيات في أدائها، فيما جاء الديكور، المتمثل في شبكتين ليشكل حاجزًا وهميًا يحول دون الوصول إلى الحقيقة، ويكرس الإحساس بالحصار والعجز.

عرض مسرحية (رقصة النسيج)... حين ترقص الحقول على إيقاع خرير المياه
يأخذنا عرض (رقصة النسيج)  إلى عالم مختلف، حيث تتداخل حكاية الإنسان مع الأرض والماء  والموسيقى والأداء التعبيري الراقص...من خلال تجسيد لوحات لحياة عمال النسيج الذين يعملون في صناعة النسيج في قريتهم الفقيرة (شيندامانغالام) بولاية كيرالا الهندية.
كان هؤلاء يعملون في زراعة القطن وصناعة النسيج، فتحولت تجربتهم اليومية إلى نموذج لقصص الكفاح والنجاح معًا. غير أن العرض لم يلجأ إلى السرد التقليدي للحكاية، بل اختار الرقص والموسيقى والاستعراضات الجماعية كوسيلة للتعبير.. فنجح في رسم لوحات بصرية متتابعة، تتشكل أمام المتلقي عبر الأداء الحركي والإيقاع وصوت الطبيعة.
وقاد العرض مجموعة من المؤديات الراقصات ورجلان من المؤدين، إلا أن البطل الحقيقي بدا متمثلًا في مجاميع النساء، بما تحمله مشاركتهن من دلالات متصلة بالثقافة الهندية وبعلاقة المرأة بالأرض والعمل والحياة.
فالمرأة هنا ليست مجرد مؤدية داخل العرض.. وإنما تصبح جزءًا من الحكاية ذاتها؛ فهي المزارعة والعاملة والحاصدة... والمرتبطة بالأرض الخضراء وصناعة النسيج. ومن خلال حضورها الجسدي والحركي، تحولت مجموعة النساء إلى صورة نابضة للكفاح اليومي، وهن يتراقصن على أوتار الحياة، بينما كان الرجل يساندها في عملها ونضالها من أجل البقاء.
حين تتحدث السينوغرافيا بلغة الطبيعة
عبّرت السينوغرافيا العامة للعرض عن حكاية (رقصة النسيج) وكانت تتغير وفق المواقف الدرامية والبصرية.. لتصبح جزءًا من الفعل المسرحي لا مجرد إطار يحتضنه.
وحاكت عناصر العرض أصوات الطبيعة وخرير المياه الذي يلامس شغاف النفوس، واعتمد العرض بصورة كبيرة على مؤثرات صوتية مستوحاة من البيئة والطبيعة، إلى جانب الحركات والرقصات والغناء والإيقاعات الهندية.
وكان لافتًا توظيف خرير المياه وصوت خلخال أقدام النساء بوصفهما عنصرين إيقاعيين...يضيفان إلى العرض حسًّا سمعيًا وشاعريًا، ويمنحان الحركة حضورًا يتجاوز الجسد إلى الفضاء المسرحي الممتد برؤى جمالية وبصرية.
هكذا بدا (الماء) في العرض المسرحي وكأنه موسيقى خفية، فيما تحول صوت الخلخال إلى إيقاع للحياة والعمل، حين تلتقي الطبيعة بالإنسان، وتصبح الحكاية نسيجًا متواصلًا بين الأرض والمرأة والرجل والقطن والماء، في لوحة مسرحية تستمد جمالياتها من بساطة الحياة اليومية ومن قدرة الجسد على تحويل العمل إلى رقصة والمعاناة إلى إيقاع.

عرض مسرحية (روضة العشاق) بين الصوفية والمسرح 
     يشارك العرض المسرحي التونسي)روضة العشاق( ضمن فعاليات مهرجان ظفار الدولي للمسرح، المقام حاليًا في بمحافظة ظفار بسلطنة عُمان، ويقديم  تجربة فنية تستلهم التراث الصوفي العربي، وتطرح تساؤلات حول العلاقة بين الصوفيين  والسلُطة...وكيف أنهم يتعرضون للعقاب والقمع التي يمكن أن تواجه كل من يكون لديه أفكارا  غريب ومغايرة عن الآخرين. 
تدور أحداث العرض  المسرحي حول مجموعة من المريدين(الصوفيين)  الذين يقودهم (الحبيب بن يزيد) الملقب بـالمريد الصادق.. وهو صاحب كتاب (روضة العشاق) . وتكمن رؤى الاختلاف عندما يمارس أتباعه طقوس صوفية مستحدثة على المجتمع، تعتمد على مجموعة من الحركات الراقصة والتمارين الروحية، الأمر الذي يثير شكوك الأجهزة الأمنية ويدفعهم  إلى القبض على هذه الجماعة ... والتحقيق معها بتهمة إثارة الفتنة في المجتمع.

وتتسع دائرة المسرح، عندما يقرر فريق العمل الترجل عن خشبة المسرح وكسر الايهام ...والنزول في المنطقة الأمامية بين الجماهير لتكملة الاحداث المسرحية...ويظهر المحققون وهو يستجوبون المريدون في محاولة لفهم أفكار هذه الطريقة ومواجهتم...ونشاهد هناك اثنين من المردين يتجادلون  ويتناظرون تجمع بين أستاذ متخصص في الطرق الصوفية والمريد الصادق  لمناقشة كتابه (روضة العشاق) ...ورغم شغف المردين بهذا الكتاب إلا أنهم لم يتمكنوا من اقناع المسؤولين بالمسار الصوفي المستحدث. وبذلك لم تستطع المناظرة  تسوية الحوار بين  المريدين و المحققين بتغيير اعتقادهم وافكارهم  .. بل أنهم اعتبروهم  مجموعة مخالفة ويجب تلقي الجزاء  والعقاب...حتى لا يتأثر المجتمع بهم .
ويقدم عرض مسرحية (روضة العشاق) مقاربة فنية تقوم على المزج بين تقنيات الطرق الصوفية والتقنيات المسرحية، في محاولة لإعادة تقديم عناصر أساسية من التراث الصوفي العربي داخل بنية مسرحية معاصرة، وصولًا إلى بلورة ما يطرحه صناع العرض تحت مفهوم مسرحة  التراث التونسي  الموسيقي والشرقي لإيجاد فرجة مسرحية تمتد ابعادها خارج خشبة المسرح ...وتستمر الشخصيات في تأدية طقوسها الًوفية ومحاولة اشراك الجمهور في التفاعل مع العرض المسرحي. 
ومن خلال هذه المعالجة المسرحية لكتاب المريدين، لا يكتفي العرض باستحضار التصوف بوصفه موروثًا روحيًا، وإنما حوله إلى مادة مسرحية قابلة للبحث والتجريب، عبر توظيف الطقوس والحركة والممارسات الروحية في بناء الفعل المسرحي، وفتح مساحة للتأمل في علاقة الإنسان بالمعتقد برؤى فلسفية صوفية.
وشاهدنا البانوراما التي زرعها المخرج في عمق المسرح، وهي عبارة عن صورة لمشهد من الطبيعة، وشلالات المياه التي تتساقط من أعلى، لتكون ملاذا للمريدين وهم يؤدون طقوسهم وصلواتهم مع تخلل الإنارة.. والتي تعطي  إيحاء ينسجم مع الأزياء التي يرتديها المريدون ....الذين كانوا يرتدون اللون الأبيض ويرددون اناشيدهم في مشهد سرمدي ..بينما كان الشيخ يرتدي الوشاح الأحمر للشيخ...بينما يرتدي المحققون البدلة السوداء المعاصرة.

مسرحية "روضة العشاق"... بين الصوفية والمسرح
يشارك العرض المسرحي التونسي "روضة العشاق"  ضمن فعاليات مهرجان ظفار الدولي للمسرح، المقام حاليًا في محافظة ظفار بسلطنة عُمان، مقدمًا تجربة فنية تستلهم التراث الصوفي العربي، وتطرح تساؤلات حول العلاقة بين الصوفيين والسلطة، وكيف يمكن أن يتعرض أصحاب الأفكار المختلفة والمغايرة للسائد للعقاب والقمع.
تدور أحداث العرض المسرحي حول مجموعة من المريدين الصوفيين، يقودهم "الحبيب بن يزيد"  الملقب بـالمريد الصادق...وهو صاحب كتاب "روضة العشاق" ... وتتجلى ملامح الاختلاف عندما يمارس أتباعه طقوسًا صوفية مستحدثة في المجتمع، تعتمد على مجموعة من الحركات الراقصة والتمارين الروحية، الأمر الذي يثير شكوك الأجهزة الأمنية، ويدفعها إلى القبض على أفراد هذه الجماعة والتحقيق معهم، بتهمة إثارة الفتنة في المجتمع.
وتتسع دائرة الفعل المسرحي عندما يقرر فريق العمل مغادرة خشبة المسرح وكسر الإيهام المسرحي، بالنزول إلى المنطقة الأمامية بين الجمهور لاستكمال الأحداث. ويظهر المحققون وهم يستجوبون المريدين، في محاولة لفهم أفكار هذه الطريقة ومواجهتها والقضاء عليها!
وفي سياق الأحداث، نشاهد اثنين من المريدين يتجادلان ويتناظران حول أفكار الطريقة الصوفية، في حوار يجمع بين أستاذ متخصص في الطرق الصوفية و"المريد الصادق" لمناقشة كتابه "روضة العشاق" .... وعلى الرغم من شغف المريدين بهذا الكتاب وتمسكهم بأفكاره، فإنهم لا يتمكنون من إقناع المسؤولين بقبول هذا المسار الصوفي المستحدث.
وبذلك، لم تنجح المناظرة في تسوية الخلاف بين المريدين والمحققين أو في تغيير قناعات أي من الطرفين؛ إذ ظل كل طرف متمسكًا برؤيته وأفكاره. وفي النهاية، يُنظر إلى المريدين باعتبارهم جماعة مخالفة تستوجب الجزاء والعقاب، حتى لا تتأثر أفكار المجتمع ومعتقداته بما يطرحونه من رؤى مغايرة.
وبشكل عام، يقدم عرض "روضة العشاق)"  مقاربة فنية تقوم على المزج بين تقنيات الطرق الصوفية والتقنيات المسرحية، في محاولة لإعادة تقديم عناصر أساسية من التراث الصوفي العربي داخل بنية مسرحية معاصرة، وصولًا إلى بلورة ما يطرحه صناع العرض تحت مفهوم "مسرحة التراث" من خلال استثمار التراث التونسي الموسيقي والشرقي، وتحويله إلى فرجة مسرحية تتجاوز أبعادها حدود خشبة المسرح.
وتستمر الشخصيات في أداء طقوسها الصوفية وأناشيدها، مع محاولة إشراك الجمهور في التفاعل مع العرض، بما يجعل الفرجة المسرحية تمتد إلى خارج الخشبة، ويمنح المتلقي حضورًا فاعلًا في التجربة المسرحية.

ومن خلال هذه المعالجة المسرحية، لا يكتفي العرض باستحضار التصوف بوصفه موروثًا روحيًا، وإنما يحوله إلى مادة مسرحية قابلة للبحث والتجريب، عبر توظيف الطقوس والحركة والممارسات الروحية في بناء الفعل المسرحي، وفتح مساحة للتأمل في علاقة الإنسان بالمعتقد، وما يرتبط بها من أسئلة فلسفية وروحية.
وتبرز في العرض البانوراما التي وضعها المخرج في عمق المسرح، وهي عبارة عن صورة لمشهد طبيعي، تتخلله  شلالات مياه تتساقط من أعلى، لتشكل ملاذًا للمريدين أثناء أداء طقوسهم وصلواتهم. وتتداخل الإضاءة مع هذا المشهد، فتمنحه أجواءً وإيحاءات تنسجم مع الأزياء التي يرتديها المريدون.
ويظهر المريدون في ملابس بيضاء، وهم يرددون أناشيدهم في مشهد ذي طابع روحاني وسرمدي، بينما يرتدي الشيخ وشاحًا أحمر يميزه عن بقية الشخصيات، في حين يظهر المحققون بالبدلات السوداء ذات الطابع المعاصر.
ويخلق هذا التباين البصري بين الأبيض والأحمر والأسود دلالات جمالية ورمزية تتناغم مع طبيعة الصراع  الجدلي الذي يقدمه العرض، وتمنح المشهد المسرحي بُعدًا بصريًا يعزز البُعد الروحي والسلطوي، والموروث والمستحدث، والفرد والجماعة.