الكاتب : النهار
التاريخ: ٢١ سبتمبر-٢٠٢٦       5830

بقلم :عبدالله الكناني 

حين يعجز بعض الناس عن صناعة حدث على الأرض، يصنعونه داخل هواتفهم، يلتقطون صورة قديمة، أو مقطعًا مبتورًا، أو خبرًا مجهول المصدر، ثم يضعون فوقه عنوانًا مثيرًا، ويدفعون به إلى الناس كأنه حقيقة مكتملة، وهكذا تبدأ الحكاية من شاشة صغيرة، لكنها قد تنتهي بضجيج واسع يتجاوز أصحابها ومقاصدهم.

وتزداد خطورة هذا المشهد كلما تسارعت الأحداث من حولنا، فالعالم يعيش اليوم على إيقاع أخبار متلاحقة، وحروب سياسية وإعلامية، ومواجهات عسكرية، وتصريحات متعارضة، وصور ومقاطع تتدفق على المنصات قبل أن تستقر الوقائع نفسها على رواية موثوقة، وفي مثل هذه الأجواء تصبح الشائعة أسرع من التصحيح، ويصبح الانفعال أسرع من التحقق.

يكفي أن يظهر مقطع لافت، أو هاشتاق مشتعل، أو عبارة تبدأ بكلمة (عاجل)، حتى يبدأ السباق، هذا يريد أن يسبق، وذاك يريد أن يصنع الترند، وثالث يطارد المتابعين، ورابع يبحث عن المشاهدات، ومع الوقت يتحول السؤال من: هل الخبر صحيح إلى: هل سيحقق انتشارًا؟

وهنا يظهر ما اصطلح على تسميته بـ "المغفل المفيد"، وليس المقصود به بالضرورة قليل الذكاء، بل ذلك الذي يسمح للآخرين أن يستخدموا حماسته، وغضبه، ورغبته في الظهور، ليؤدي خدمة مجانية لرسالة لم يصنعها، وقد لا يعرف حتى من يقف خلفها.

يصنع غيره الطُّعم، ثم يتولى هو التوزيع،يكتب حساب مجهول جملة، فيعيدها آخر، ثم يضيف إليها ثالث عبارة "مصادر خاصة"، ويمنحها رابع عنوانًا أكثر إثارة، وبعد ساعات يظن المتلقي أنه أمام عشرات المصادر، بينما تعود السلسلة كلها إلى منشور واحد مجهول الأصل، وتتكرر أمامنا هذه الصورة كل يوم، بل مرات عدة، مقطع قديم يقدم على أنه جديد، وصورة من مكان آخر تلصق بحدث مختلف، وتصريح يقتطع من سياقه، أو مادة مصنوعة تبدو في ظاهرها أقرب إلى الحقيقة.

ويعرف صانع التضليل أن الإنسان حين يغضب يسرع، وحين يخاف يبحث عن إجابة بأي ثمن، وحين يلاحق الترند قد ينسى أن يسأل، لذلك لا يراهن على الزيف وحده، بل يراهن على سرعة أصابعنا، وعلى من يريد أن يكون أول من نشر، وعلى من يظن أن كثرة المتابعين تمنحه صفة المصدر، وعلى من يقيس نجاحه بعدد المشاهدات لا بقيمة ما يقدم.

والأخطر أن التكرار يصنع وهم الحقيقة، فالخبر الواحد إذا أعيد نشره مئات المرات لا يصبح صحيحًا، لكنه يصبح مألوفًا، والمألوف أسرع إلى التصديق، وحين يرى المتلقي الرواية نفسها في عشرات الحسابات، يظن أنه أمام إجماع، بينما قد يكون أمام صدى واحد يتكرر في مرايا كثيرة.

لهذا فإن الوعي اليوم لا يعني أن نشك في كل شيء، بل أن نمنح عقولنا لحظة قبل أن نمنح الخبر جمهورنا، أن نسأل عن المصدر، والتاريخ، والسياق، وأن نتأكد من الصورة والمقطع، وألا نجعل الهاشتاق بوصلة للحقيقة، ولا عدد المتابعين شهادة على الموثوقية.

يملك مجتمعنا، بحمد الله، قدرًا كبيرًا من الوعي، لكن الوعي يحتاج إلى يقظة دائمة، لأن أدوات التضليل تتطور، والمنصات تكافئ الإثارة، والذكاء الاصطناعي جعل الفبركة أكثر إقناعًا، والأحداث المتسارعة جعلت الناس أكثر قابلية للتلقي السريع.

فلا تكن ناقلًا مجانيًا لرسالة لا تعرف صاحبها، ولا تمنح الزيف جناحين من أجل سبق عابر، أو ترند مشتعل، أو متابع جديد، فقد لا تكون أنت من صنع التضليل، لكنك قد تكون من منحه الطريق.

احذر أن تكون المغفل المفيد.