الكاتب : النهار
التاريخ: ٢٠ سبتمبر-٢٠٢٦       5115

بقلم : عبدالناصر بن علي الكرت

لم يكن الطريق إلى توحيد هذه البلاد مفروشاً بالطمأنينة، ولم يكن الوطن الذي نعرفه اليوم قد وُلد مكتمل الملامح، بل كانت الأرض شاسعة، والقبائل والمناطق تعيش ظروفاً قاسية، تتنازعها المخاوف وتثقل كاهلها الحاجة، وتغيب عنها كثير من مقومات الحياة المستقرة.

كان الأمن هاجساً يؤرق الناس، والفقر يضيّق عليهم سبل العيش، والأمراض تحصد الأرواح في زمن شحّت فيه وسائل العلاج، وتباعدت فيه المدن والقرى، وتعذّر على الإنسان أن ينظر بعيداً في أفق المستقبل، وهو لا يأمن على حاضره.

وفي تلك الظروف الصعبة، جاء الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود، طيب الله ثراه، يحمل مشروعاً أكبر من استعادة أرض أو استرداد مُلك، كان يحمل حلماً ببناء وطن يجتمع فيه الناس تحت راية واحدة، ويجدون في ظلها الأمن بعد الخوف، والاستقرار بعد الاضطراب، والأمل بعد سنوات الشدة.

وحين أدركت القبائل والمناطق أن هذا المشروع يتجاوز استرداد الأرض إلى بناء دولة وصناعة مستقبل، التفّت حوله، وسندته بالعزم والرجال، وشاركت في مسيرة التوحيد والبناء. ولم تكن تلك المساندة موقفاً عابراً، بل تعبيراً عن تطلع عميق إلى حياة مختلفة، وإدراكاً بأن تفرّق الجهود لا يصنع وطناً، وأن الأمن والاستقرار لا يترسخان إلا في ظل دولة تجمع الناس على كلمة سواء. فقد آمن أولئك الرجال بأن لهم حقاً في وطن آمن، وحياة كريمة، ومستقبل أكثر إشراقاً. ولذلك لم يكن وقوفهم مع الملك عبدالعزيز مجرد وقوف مع قائد، وإنما كان وقوفاً مع فكرة الوطن، ومع حلم الخروج من واقع قاسٍ إلى حياة أكثر أمناً وكرامة.

ومن هنا بدأت الحكاية التي نحتفي اليوم بذكراها، حكاية رجال لم يرضوا أن تبقى بلادهم أسيرة الخوف والحاجة، وقائد أدرك أن بناء الدولة لا يكون بالقوة وحدها، وإنما بتوحيد القلوب قبل توحيد الأرض، وبناء الثقة قبل ترسيخ مؤسسات الدولة.

ثم مضت السنوات، وتبدلت الأحوال، واتسعت الدولة، وتتابعت مراحل البناء، حتى أصبحت المملكة العربية السعودية اليوم دولة حاضرة بين دول العالم، ذات مكانة سياسية واقتصادية وإنسانية، ينعم أبناؤها بالأمن والاستقرار، وتتطلع أجيالها إلى مستقبل أكثر اتساعاً وطموحاً.

وفي اليوم الوطني، لا نستعيد الماضي لمجرد الحنين إليه، وإنما نستحضره لنعرف قيمة ما تحقق. فحين نتذكر شظف العيش ندرك معنى الرخاء، وحين نستعيد أيام الخوف ندرك عظمة الأمن، وحين نتأمل بدايات الدولة المتواضعة ندرك حجم التحوّل الذي صنعته إرادة الرجال، وتتابعت على ترسيخه الأجيال.

إن الوطن الذي نحتفي به اليوم لم يكن هدية جاءت بلا ثمن، وإنما ثمرة رحلة طويلة من التضحيات والوفاء والعمل. ولذلك يبقى اليوم الوطني أكثر من مناسبة للاحتفال، إنه يوم نتذكر فيه كيف اجتمعت الإرادات على حلم واحد، وكيف آمنت القبائل والمناطق بأن مستقبلها سيكون أكثر أمناً واستقراراً حين تجتمع تحت راية وطن واحد.

ومن الوفاء لأولئك الذين صنعوا البدايات أن نحافظ على ما صنعوه، وأن نواصل البناء بالقدر نفسه من العزم الذي حملهم على الوقوف مع الملك عبدالعزيز، رحمه الله، وذلك بمزيد من التعاون والتكاتف، وترسيخ الولاء وتعزيز الانتماء، والحرص على مكتسبات الوطن، والتصدي لكل ما من شأنه المساس بأمنه واستقراره أو النيل من وحدته ومكانته.

فالأمن الذي نعيشه، والرخاء الذي ننعم به، والنماء الذي تشهده المملكة في هذا العهد الزاهر، ليست مكتسبات تُصان بالكلمات وحدها، وإنما مسؤولية مشتركة تتطلب وعياً دائماً، ووفاءً صادقاً، وعملاً متواصلاً، وإدراكاً لقيمة الوطن الذي صنعته تضحيات الآباء، وتواصل الأجيال بناءه جيلاً بعد جيل.

تلك هي قصة الوطن. رجال آمنوا بالحلم، وقائد حمل الراية، وأجيال واصلت الطريق، حتى أصبحت المملكة العربية السعودية وطناً شامخاً ومكانة يعتز بها أبناؤها، ويحضر اسمها بثقلها وتأثيرها بين شعوب العالم.

سائلين الله الكريم أن يحفظ بلادنا، ويديم عليها نعمة الأمن والاستقرار والرخاء، في ظل خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز، وسمو ولي عهده الأمين الأمير محمد بن سلمان، وأن يوفقهما لكل ما فيه خير الوطن والمواطن.

وكل عام والوطن الغالي أكثر أمناً وأعز مكانة وأمضى عزيمة وأوسع ازدهاراً.