الكاتب : النهار
التاريخ: ١٤ سبتمبر-٢٠٢٦       1980

بقلم : الأستاذ الدكتور محمد بن علي بن صالح الغامدي

قلَّ في تاريخ المدن أن يتولّى رجلٌ واحدٌ مدينةً فيراها تنتقل في يديه من بلدةٍ لا تُضيئها إلا ماكينةُ كهرباءَ واحدة إلى عاصمةٍ تستضيف قمةَ مجموعة العشرين. وهذا هو، في جملةٍ واحدة، خلاصةُ سيرة سلمان بن عبد العزيز مع الرياض.

عُيّن نائبًا لأمير الرياض سنة ثلاثٍ وسبعين وثلاث مئة وألف للهجرة وهو ابنُ تسعَ عشرةَ سنة، ثم أميرًا لها برتبة وزيرٍ في السنة التي تليها، ثم عاد إلى إمارتها سنة ثلاثٍ وثمانين وثلاث مئة وألف فبقي فيها إلى سنة اثنتين، وثلاثين، وأربع مئة، وألف.

ثمانٍ وأربعون سنةً متصلة في منصبٍ واحد، وهي مدةٌ يندر نظيرُها في إدارة المدن في العالم كلِّه. ثم انتقل إلى وزارة الدفاع، ثم إلى ولاية العهد في جمادى الآخرة سنة ثلاثٍ وثلاثين وأربع مئة وألف، ثم بويع ملكًا في الثالث من ربيع الآخر سنة ستٍّ، وثلاثين، وأربع مئة، وألف.

أما الرياضُ التي تسلَّمها فقد بقي لنا وصفُها بقلم شاهدٍ عيان. ففي يوميات أحمد علي الكاظمي، وهي تقييدٌ يوميٌّ لسنتي ستٍّ وخمسين وسبعٍ وخمسين وثلاث مئة وألف، نقرأ أن البلدة كلَّها بيوتُ لِبن، وأن أوّل مولّدٍ كهربائيٍّ دخلها كانت قوّتُه مئةً وخمسةً وعشرين حصانًا، جيء به على شاحنةٍ تسير بالغاز المرشَّح، وأن الناس تتبّعوا خبرَه يومًا بيوم حتى مُدّت الأسلاك، ثم احترقت مدخنتُه بعد أشهرٍ فانطفأت المصابيح واجتمع الناس عند دارها. وفي السنة نفسِها نضبت أكثرُ الآبار وغارت مياهُها حتى صلّى أهلُ الرياض صلاةَ الاستسقاء. وكان السورُ يُبنى ليلحق بالعمران لا ليسبقه، فقد كتب الكاظميُّ أن سورًا جديدًا بُني لتدخل فيه المحلّةُ الشرقية لأن الرياض آخذةٌ كلَّ يومٍ في التوسّع، وأن ما خارج السور صار أكبرَ مما داخله.

والملكُ سلمان ابنُ تلك اللوحة؛ فهو مولودٌ قبل هذه اليوميات بسنتين، ومن أبناء ذلك الحيّ وتلك المدرسة وذلك الماء المجلوب. ولذلك كان إشرافُه على الرياض بعد ذلك إشرافَ من يعرف من أين بدأت المدينة، لا إشرافَ من ورث خريطةً جاهزة. وفي مدة إمارته انتقلت العاصمةُ من مدينةٍ تُعدّ دورُها إلى مدينةٍ تُعدّ ملايينُ سكانها، وقامت فيها أحياءُ الوزارات والجامعات والمطار والمراكز المالية، وحُفظ في وسطها حيُّ الطريف وقصرُ المصمك والمربّع فلم تُمحَ ذاكرةُ البدايات تحت ضغط البناء. وهذه من أدقّ مسائل العمران: أن يتوسّع الناسُ دون أن يقطعوا صلتهم بأصلهم.

ثم كان أن استضافت هذه المدينةُ نفسُها قمةَ مجموعة العشرين سنة إحدى وأربعين وأربع مئة وألف، فترأَّست المملكةُ المجموعةَ في عامٍ كانت الأرضُ فيه مغلقةً بالجائحة، وأُديرت القمةُ عن بُعدٍ من الرياض، وكانت أولَ قمةٍ لهذه المجموعة تستضيفها دولةٌ عربية. بين المولّد ذي المئةِ والخمسةِ والعشرين حصانًا وبين تلك القمة خمسٌ، وثمانون سنةً، وعمرُ رجلٍ، واحد.

وقد كان لطول هذه المدة أثرٌ آخر لا يقلّ عن العمران، وهو أن إمارة الرياض صارت في تلك العقود مدرسةً إداريةً تخرَّج فيها عددٌ ممن تولَّوا بعدُ مناصبَ الدولة، وأن مجلسَها الأسبوعي صار ملتقًى ثابتًا للعلماء والكتّاب وأصحاب الحاجات. فالمدينةُ لم تُبنَ حجارةً فحسب، بل بُني معها عرفٌ في الإدارة: أن يكون الوالي مقيمًا بين الناس، يُعرف مجلسُه ويُعرف بابُه.

وليس المقصود من هذه المقابلة مديحًا، بل تقييدُ قاعدةٍ في تاريخ العمران: أن المدن لا تنهض بالمال وحده، بل بطول النَّفَس وثبات اليد. فالذي صنع الرياض ليس مشروعًا واحدًا كبيرًا، بل نصفُ قرنٍ من القرارات الصغيرة المتَّسقة، وتلك أصعبُ من المشروع الكبير وأبقى.