بقلم : د علي بن عالي السعدوني
المشكلة ليست في الحديث عن غياب الطلاب، فالغياب قضية تربوية تستحق الدراسة والنقاش والبحث عن أسبابها وطرق علاجها لكن الإشكال يبدأ عندما تؤخذ نتيجة وردت ضمن استبيان دولي لعينة محددة ثم تقدم للجمهور بطريقة قد تمنح انطباعًا بأنها إحصائية رسمية شملت أكثر من ستة ملايين طالب وطالبة في مدارس المملكة، وفي هذا يصبح توضيح المعلومة ضرورة؛ لأن الفرق بين الاستبيان والإحصائية الرسمية، وبين العينة ومجتمع الدراسة كله ليس تفصيلًا هامشيًا يمكن تجاوزه.
القصة ببساطة أن بيزا 2025 طُبق في المملكة على عينة بلغت 7,272 طالبًا وطالبة من 203 مدارس، ولم تكن النتيجة محل النقاش مستخرجة من سجلات الحضور والغياب لجميع مدارس المملكة بل طُرح على الطلاب المشاركين سؤال يتعلق بما إذا كانوا قد تغيبوا يومًا دراسيًا كاملًا مرة واحدة على الأقل خلال الأسبوعين السابقين للاختبار، وأفاد نحو 66٪ منهم بذلك، أي ما يقارب حسابيًا 4,800 طالب وطالبة من أفراد العينة، وهذه هي الحدود التي ينبغي أن تعرض المعلومة داخلها قبل الانتقال إلى قراءة دلالاتها الأوسع.
والكلمة المهمة في هذه المسألة هي استبيان، فالنتيجة مبنية على إجابات الطلاب المشاركين، وليست رقمًا مستخرجًا مباشرة من أنظمة الحضور والغياب في مدارس المملكة كما أنها لا تعني أن 66٪ من طلاب المملكة يتغيبون بصورة مستمرة، ولا تعني أن ملايين الطلاب تغيبوا في يوم واحد، ولا تعني أن ثلثي طلاب المدارس السعودية يعانون غيابًا مزمنًا، وإنما تقدم إجابات عينة مشاركة عن سؤال محدد خلال مدة زمنية محددة، وضمن أداة من أدوات التقييم الدولي.
والفرق كبير بين أن نقول إن 66٪ من أفراد العينة أفادوا بأنهم تغيبوا يومًا كاملًا مرة واحدة على الأقل خلال الأسبوعين السابقين للاختبار، وبين صياغة قد يفهم منها المتلقي أن النسبة تمثل عددًا مثبتًا في سجلات الحضور لجميع طلاب المملكة، فالأولى تحافظ على طبيعة البيانات وحدودها المنهجية، بينما الثانية قد توسع دلالة الرقم بصورة تتجاوز ما قاسه السؤال نفسه.
بل إن الحساب البسيط يساعد على فهم الصورة، فإذا كان عدد أفراد العينة 7,272 طالبًا وطالبة وكانت النسبة 66٪، فنحن نتحدث حسابيًا عن نحو 4,800 مشارك أفادوا بهذا النوع من الغياب، ولسنا أمام عملية حصر مباشر لسجلات أكثر من ستة ملايين طالب وطالبة؛ ولذلك فإن ذكر العدد الإجمالي لطلاب المملكة بجوار النسبة يحتاج إلى توضيح دقيق لطبيعة العينة وطريقة الاستدلال حتى لا يختلط لدى القارئ حجم المجتمع التعليمي بحجم العينة التي أجابت عن السؤال.
وقد يقال إن بيزا يعتمد عينات ممثلة، وبالتالي يمكن الاستدلال بنتائجه على النظام التعليمي، وهذا صحيح في حدود المنهجية الإحصائية التي يعتمدها التقييم وأوزانه وطريقة اختيار عيناته لكن التعميم الإحصائي لا يغير طبيعة البيانات نفسها، فالإجابة الذاتية التي يقدمها الطالب في استبيان تبقى مختلفة في مصدرها وطريقة جمعها عن بيانات الحضور المستخرجة من السجلات الرسمية، وهذه نقطة منهجية مهمة قبل بناء الأحكام العامة.
أما بيزا نفسه فليس اختبارًا أُنشئ لعد الغائبين بل هو تقييم دولي تنظمه منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، ويستهدف طلابًا في عمر الخامسة عشرة تقريبًا، ويركز على قدرتهم على توظيف معارفهم ومهاراتهم في القراءة والرياضيات والعلوم، وتصاحبه استبانات تجمع معلومات متعددة تساعد على فهم البيئة التعليمية والاجتماعية والسلوكية المحيطة بأداء الطالب، ومن هذا السياق تأتي الأسئلة المتعلقة بالحضور والغياب.
وهذا التوضيح لا يقلل بأي صورة من خطورة الغياب، فالطالب الذي يفقد يومًا دراسيًا يفقد جزءًا من فرص تعلمه، وتكرار الغياب مؤشر تربوي يستحق أن تتعامل معه المدرسة والأسرة والوزارة بجدية لكن قوة القضية لا تحتاج إلى توسيع دلالة الأرقام بل تحتاج إلى أرقام دقيقة تعرض في سياقها الصحيح؛ لأن المعلومة الدقيقة أكثر قدرة على الإقناع من الرقم الكبير إذا قُدم بعيدًا عن حدوده المنهجية.
وتزداد أهمية الدقة عندما تصدر المعلومة عبر حساب يتابعه جمهور واسع؛ لأن العبارة المختصرة قد تنتشر أكثر من الدراسة الأصلية، وقد يتحول تفسير للرقم خلال ساعات إلى معلومة يتناقلها الناس باعتبارها حقيقة مكتملة؛ ولذلك فمن ينشر رقمًا ويبني عليه حكمًا عامًا من المهم أن يضع مصدره أمام المتلقي، وأن يوضح حجم العينة، وطبيعة السؤال، والفترة الزمنية، وأن يبين ما إذا كانت البيانات مستخرجة من سجلات رسمية أم قائمة على إجابات المشاركين في استبيان.
نعم الغياب مشكلة تربوية تستحق النقاش والعلاج لكن الدقة في عرض الأرقام قضية لا تقل أهمية، فلا نخلط بين عينة من 7,272 طالبًا وبين العدد الإجمالي لطلاب المملكة، ولا بين استبيان وإحصائية حضور رسمية، ولا بين سؤال عن غياب يوم كامل مرة واحدة على الأقل خلال أسبوعين وبين حكم عام على انتظام الطلاب طوال العام الدراسي.
النقاش الذي يبدأ بمعلومة دقيقة يبقى نقاشًا نافعًا حتى مع اختلاف الآراء، أما المعلومة التي تعرض دون سياقها وحجم عينتها وطبيعة السؤال الذي بنيت عليه، فمن حق القارئ أن يعرف هذه التفاصيل قبل أن يبني عليها حكمًا عامًا.
فالرقم لا يكذب لكن طريقة تقديم الرقم قد تقول شيئًا لم يقله الرقم أصلًا.