الكاتب : النهار
التاريخ: ٠٩ سبتمبر-٢٠٢٦       5005

وائل العتيبي – جدة

لم تعد الرياضة في عالم اليوم مجرد منافسة تُحسم بنتيجة، أو بطولة تُقاس بعدد الميداليات والألقاب؛ فقد تحولت إلى ظاهرة اجتماعية وثقافية واقتصادية واسعة، تتقاطع مع الإعلام والهوية والاستثمار والعلاقات الدولية، وتشارك في تشكيل الصورة التي تقدمها المجتمعات والدول عن نفسها. هذا التحول كان محور ندوة «الرياضة وتحولاتها: نحو تأويل ثقافي للظاهرة»، التي نظمها مركز الخليج للأبحاث ضمن مسار «الموقف الثقافي»، وأدارها الدكتور زيد الفضيل، بمشاركة أستاذ علم الاجتماع الدكتور عبدالسلام الوايل، ورئيس تحرير صحيفة مكة موفق النويصر، والباحث المغربي في علم الاجتماع الدكتور محسن كمالة، وأستاذ الإعلام بجامعة الملك عبدالعزيز الدكتور عبدالله بانخر.

 

وقدمت الندوة قراءة متعددة الزوايا للرياضة، تجاوزت النظر إليها بوصفها نشاطًا بدنيًا أو صناعة ترفيهية، إلى التعامل معها باعتبارها جزءًا من البنية الاجتماعية والثقافية، وفضاءً تتقاطع فيه المصالح الاقتصادية والرموز والهويات وعلاقات القوة والتأثير.

 

وفي المدخل السوسيولوجي، قدم الدكتور عبدالسلام الوايل تصورًا للرياضة باعتبارها «ظاهرة اجتماعية كلية»، مشيرًا إلى أن الملعب لا يمثل مساحة للمنافسة الرياضية وحدها، بل فضاءً تتقاطع فيه علاقات السلطة والاقتصاد والثقافة والانتماء والرموز الاجتماعية. ومن هذا المنظور، لا تكتفي الرياضة بعكس تحولات المجتمع، بل تشارك أيضًا في إنتاجها وإعادة تشكيل بعض تصوراته وقيمه.

 

وتوقف الوايل عند التحول التجاري الذي شهدته الرياضة، رافضًا النظر إلى دخول السوق والاستثمار إليها بوصفه تحولًا سلبيًا بالضرورة؛ فالسوق يمكن أن يسهم في تعزيز الاحتراف والتنظيم ورفع الكفاءة وتحقيق العوائد، لكنه يطرح في المقابل سؤالًا حول حدود منطق الربح، وكيفية تحقيق التوازن بين القيمة الاقتصادية للرياضة وأدوارها الاجتماعية، وبين الاستثمار وتطوير المواهب وإتاحة الممارسة.

 

ومن الاقتصاد إلى سؤال الهوية، استحضر الوايل تجربة المنتخب الفرنسي في كأس العالم 1998، وما أثارته تركيبته من نقاشات حول الهجرة والعنصرية والتمثيل الوطني، موضحًا أن الرياضة يمكن أن تتحول إلى مرآة لأسئلة المجتمع الكبرى، وفي مقدمتها سؤال: من يمثل الأمة؟

 

ويزداد هذا السؤال تعقيدًا في عالم تتجاوز فيه حركة اللاعبين والمواهب الحدود الوطنية، وتتداخل الجنسية مع الأصل والهجرة والانتماء، ليصبح المنتخب الرياضي أحيانًا مساحة رمزية لإعادة التفكير في معنى الهوية الوطنية ذاتها.

 

من جانبه، قدم الباحث المغربي الدكتور محسن كمالة قراءة لمسار التحول الذي مرت به الرياضة؛ من ممارسة بدنية إلى ممارسة اجتماعية، ثم إلى ظاهرة ثقافية، وصولًا إلى كونها رأس مال رمزيًا وأداة من أدوات القوة الناعمة.

 

فالرياضة، بحسب هذا التصور، لا تنتج الأبطال والنتائج فقط، وإنما تنتج الرموز والمعاني والهويات، وتمنح الدول قدرة على التأثير من خلال الجاذبية والصورة والإقناع، بدلًا من أدوات الإكراه التقليدية.

 

وفي هذا السياق، وضع كمالة الرياضة ضمن شبكة أوسع تضم الاقتصاد والإعلام والصحة والثقافة والعلاقات الدولية، موضحًا أن الحدث الرياضي الكبير يمكن أن يتحول إلى منصة للتواصل الثقافي وصناعة الصورة الوطنية وبناء جسور التقارب بين المجتمعات.

 

غير أن هذا النفوذ لا يخلو من مخاطر؛ إذ يمكن للرياضة أن تصبح أيضًا مجالًا للتسييس والتعصب والاستقطاب وإعادة إنتاج الصراعات. ومن هنا لا يعود السؤال متعلقًا بحجم حضور الرياضة في المجال العام فحسب، بل بكيفية استخدامها، والقيم التي تحملها، والغايات التي توجه هذا الاستخدام.

 

وانتقل كمالة إلى الوظائف الاجتماعية للفضاءات الرياضية، موضحًا أنها لا تقتصر على ممارسة النشاط البدني، بل تؤدي أدوارًا في التنشئة والاندماج وبناء العلاقات واكتشاف المواهب وقضاء أوقات الفراغ.

 

واستنادًا إلى دراسة ميدانية في مدينة فاس، أشار إلى أن تراجع بعض هذه الفضاءات ارتبط بتراجع عدد من وظائفها الاجتماعية، وتحول بعض الشباب من الممارسة إلى المشاهدة، ومن المشاركة إلى الاستهلاك، إلى جانب احتمال اتساع الفوارق في فرص الوصول إلى الرياضة عندما تصبح الممارسة مرتبطة بالقدرة على الدفع.

 

وشدد في هذا السياق على أن هذه الملاحظات لا تعني إثبات علاقة سببية مباشرة بين غياب المنشآت الرياضية والظواهر الصحية أو الاجتماعية الأخرى، وإنما تفتح المجال أمام مزيد من البحث والدراسة.

 

وفي السياق السعودي، تناول موفق النويصر التحول الذي طرأ على النظرة الاجتماعية إلى الرياضة، موضحًا انتقالها من نشاط كان يُنظر إليه في مراحل سابقة باعتباره شكلًا من أشكال الترفيه، إلى مجال ترى فيه الأسر اليوم فرصة لاكتشاف مواهب الأبناء وتطويرها، وربما تحويلها إلى مسار احترافي ومهني.

 

ويرتبط هذا التحول، وفق ما طُرح في الندوة، بتنامي البعد الاقتصادي والاستثماري للرياضة، وبقدرتها على تقديم الثقافة والهوية الوطنية إلى جمهور عالمي، خصوصًا مع اتساع حضور المملكة في المشهد الرياضي الدولي.

 

أما الدكتور عبدالله بانخر، فاقترب من الظاهرة من زاوية الإعلام والاتصال الجماهيري، مؤكدًا أن كرة القدم، رغم مكانتها الطاغية عالميًا، لا تختصر المشهد الرياضي، في ظل تنامي اهتمام الشباب برياضات أخرى، ومنها رياضة البادل.

 

كما أشار إلى الدور الذي أدته الأندية السعودية تاريخيًا بوصفها فضاءات اجتماعية وثقافية، إلى جانب وظيفتها الرياضية، مؤكدًا أن اتساع الجمهور الرياضي يمنح المنافسات الكبرى تأثيرًا يتجاوز حدود اللعبة ليصل إلى الإعلام والاقتصاد والاستثمار والتأثير الجماهيري.

 

ومن هنا، تصبح المشاركة في المنافسات الرياضية الدولية أكثر من مجرد حضور في بطولة؛ فهي فرصة لتقديم صورة عن المجتمع والدولة، فيما تتحول البطولات الكبرى إلى منصات للتواصل الثقافي وصناعة الانطباع العام.

 

وتكشف مداخلات الندوة، في مجملها، أن التحول الذي شهدته الرياضة لم يكن مجرد انتقال من الهواية إلى الاحتراف، بل تحولًا أعمق نقلها من النشاط البدني إلى الظاهرة الاجتماعية والثقافية، ثم إلى الصناعة ورأس المال الرمزي وأحد أدوات القوة الناعمة.

 

وبذلك لم يعد الملعب مكانًا منفصلًا عن المجتمع، بل أصبح نقطة التقاء بين اللاعب والجمهور والدولة والسوق والإعلام والثقافة. كما لم تعد المباراة تُقاس دائمًا بنتيجتها النهائية، إذ قد يكون ما تتركه من هوية وصورة وتأثير وانتماء أوسع من الأرقام التي تظهر على لوحة النتائج.

 

وفي هذا التحول تكمن قوة الرياضة الجديدة وتحدياتها في آن واحد؛ فهي قادرة على دعم التنمية وصناعة الفرص وتعزيز التواصل والتقارب بين الشعوب، لكنها قادرة كذلك على إنتاج التعصب والاستقطاب والتسييس. ومن ثم، فإن اتساع نفوذ الرياضة يفرض مسؤولية موازية على المؤسسات الرياضية والإعلامية والثقافية، تتمثل في إدارة هذا النفوذ بما يحافظ على قيم المنافسة، ويعزز أدوار الرياضة الاجتماعية والثقافية، دون أن تتحول القوة المتنامية للملعب إلى غاية في ذاتها.