بقلم : طارق محمود نواب
كان المجلس قديمًا أكثر من مساحة تتجاور فيها المقاعد. فقد كان وعاءً للألفة وسجلًا شفهيًا للعائلة وممرًا تعبر منه الأخبار والصلات والمصالح الصغيرة. وكان الناس يدخلونه بلا رهبة من الوقت لأن الزيارة لم تكن بندًا في جدول مزدحم. بل كانت امتدادًا طبيعيًا لليوم. ثم تبدلت هيئة المدن واتسعت المسافات وتكاثرت الالتزامات وتغير إيقاع البيوت. ولذلك بدأ المقهى يتسلل إلى المشهد حتى أخذ شيئًا من وظيفة المجلس ثم أخذ مكانه في كثير من التفاصيل.
فلم يتقدّم المقهى إلى الواجهة دفعة واحدة. بل تمدّد في العادات اليومية حتى غدا جزءًا من هندسة اللقاءات الحديثة. فأصبح الاجتماع الذي كان يبدأ عند عتبة منزل يبدأ اليوم بإحداثية تصل إلى الهاتف. وأصبح صاحب الدعوة يختار طاولة بدل أن يهيئ مجلسًا. ثم وجد الناس في المقهى مساحة لا تستدعي مراسم الاستقبال ولا أثقال الضيافة. ولهذا بدا المكان أكثر انسجامًا مع زمن يطلب السرعة ويختصر الكثير من التفاصيل.
غير أن تغير المكان سحب معه شيئًا من طبيعة اللقاء. فالمجلس كان يسمح للكلام أن يتمدد بلا استعجال. وكان الصمت فيه جزءًا من الحديث. وكانت الضيافة تمنح الجلسة إيقاعًا له طمأنينته الخاصة. أما المقهى فقد جاء بلغة مختلفة. فهو مكان تحكمه الساعة وتحرسه الفاتورة وتطارده المواعيد التالية. ولذلك صار كثير من اللقاءات أقرب إلى محطة عابرة منها إلى إقامة وجدانية طويلة.
ومع ذلك لا يمكن اختزال المقهى في كونه خصمًا للمجلس. فقد صنع بدوره ثقافة جديدة. فأصبح موضعًا للقراءة والعمل واللقاء والكتابة والمصالحة. كما صار مساحة تتجاور فيها الأعمار والمهن والطبقات من دون كثير من الحواجز. وعلى طاولاته تولد أفكار وتبدأ صداقات وتنتهي خصومات وتكتب مشاريع وربما تتغير قرارات كاملة.
لكن المجلس يحتفظ بسر لا يستطيع المقهى تقليده. فهو لا يقدم مقعدًا فقط. بل يقدم جزءًا من سيرة البيت. ففيه رائحة المكان وذاكرة أصحابه وأثر الذين مروا به قبلنا. كما أن الجلوس فيه لا يعني أنك التقيت شخصًا فحسب. بل يعني أنك اقتربت قليلًا من عالمه الخاص.
ولهذا يبدو أن المقهى لم يهزم المجلس تمامًا. بل هزم الظروف التي كانت تمنح المجلس سلطته القديمة. فقد انتصر على المسافة وعلى ضيق الوقت وعلى تبدل أنماط السكن. لكنه لم ينتصر على دفء الباب المفتوح ولا على معنى أن تكون ضيفًا يعرف صاحب البيت كيف يطيل مقامه.
وربما تكون الحكاية كلها سيرة مجتمع انتقل من اللقاء الموروث إلى اللقاء المختار. ومن الجلسة التي تنمو وحدها إلى الموعد الذي يحدد بالدقيقة. وهكذا أصبح المقهى عنوانًا لزمن سريع. بينما بقي المجلس شاهدًا على زمن كان الناس فيه يملكون متسعًا أكبر لبعضهم.