النهار
بقلم : المستشار د. سعود عقل
بعد صدور نظام الإثبات بالمرسوم الملكي رقم (م/43) وتاريخ 26/5/1443هـ، متضمن بابًا مستقلًا بعنوان «الدليل الرقمي» من المادة 53 إلى المادة 64.
و قرار وزير العدل المتعلق باعتماد الأدلة والضوابط الإجرائية لنظام الإثبات رقم (921) وتاريخ 16/3/1444هـ ،الذي نص على الموافقة على ضوابط إجراءات الإثبات إلكترونيًا والأدلة الإجرائية لنظام الإثبات،،
لم تعد القضية تبدأ من محضر رسمي أو شهادة شاهد أو مستند يحمل توقيعا واضحا فقط .
لأننا في زمن أصبحت فيه الصورة تحفظ في الهاتف قبل أن تحفظ في الذاكرة وأصبحت الرسالة تصل إلى القاضي قبل أن يصل أصحابها إلى قاعة المحكمة تغيرت طبيعة الحقيقة نفسها.
صورة واحدة قد تبدو للوهلة الأولى مجرد لقطة عابرة لكنها قد تحمل في تفاصيلها ما يكفي لقلب رواية كاملة وقد تكشف مكانا أو زمنا أو علاقة أو واقعة حاول أحدهم إنكارها وقد تكون في المقابل صورة مقتطعة من سياقها قادرة على صناعة اتهام لا يستند إلى حقيقة كاملة.
وهنا يبدأ السؤال الأصعب:
هل كل ما نراه على شاشة الهاتف يمكن أن يصبح دليلا أمام القانون؟
الدليل الرقمي لا يشبه الدليل التقليدي فهو قابل للنسخ والتعديل والحذف وإعادة الإرسال كما أن الصورة يمكن أن تخضع للمعالجة والرسالة يمكن أن تنتقل من هاتف إلى آخر وقد يظهر الحساب باسم شخص لا يكون بالضرورة هو من كتب أو نشر أو أرسل.
لذلك فإن قيمة الدليل الرقمي لا تأتي من شكله وحده بل من قدرته على إثبات الحقيقة بطريقة يمكن التحقق منها.
الصورة ليست الحقيقة كلها:
قد تكون نافذة إليها وقد تكون جزءا منها وقد تكون أحيانا وسيلة لتضليل من ينظر إليها... وهنا تظهر مسؤولية القانون في التمييز بين الدليل الذي يكشف الحقيقة والدليل الذي يصنع وهمًا بالحقيقة.
إن السؤال القضائي لا ينبغي أن يكون هل توجد صورة بل ماذا تثبت هذه الصورة؟ وكيف وصلت إلى المحكمة؟ وهل بقيت على حالها منذ لحظة التقاطها؟ وهل يمكن تحديد مصدرها وتاريخها وسياقها؟ وهل يمكن ربطها بالشخص الذي تقدم بها؟ وهل توجد أدلة أخرى تؤكد مضمونها؟
فالصورة التي لا يمكن معرفة أصلها قد تثير الشك لكنها لا تستطيع وحدها دائما أن تصنع اليقين
والرسالة التي تظهر على شاشة هاتف قد تبدو حاسمة لكنها تحتاج إلى معرفة هوية صاحب الحساب وسلامة الجهاز وطريقة استخراج البيانات وإمكانية العبث بها
أما التسجيل الصوتي فقد يحمل صوتا واضحا لكن وضوح الصوت لا يعني بالضرورة وضوح الحقيقة
وهنا يكمن التحول الكبير الذي فرضه العالم الرقمي على العدالة
لم يعد القاضي يتعامل فقط مع سؤال من قال ماذا بل أصبح أمام سلسلة من الأسئلة التقنية والقانونية المتشابكة
من أنشأ هذا المحتوى؟ متى أنشئ؟أين كان صاحبه؟
هل تم تعديله؟من نقله؟كيف وصل إلى المحكمة؟
وهل بقيت سلسلة حفظه سليمة؟
هذه الأسئلة ليست تفاصيل تقنية هامشية بل أصبحت جزءا من صميم العدالة
فالخطأ في التعامل مع دليل رقمي قد يؤدي إلى نتيجتين متناقضتين وخطيرتين:
إدانة شخص بناء على دليل فقد موثوقيته، أو إسقاط حق شخص لأن المحكمة لم تستطع الوصول إلى القيمة الحقيقية لدليل صحيح
وفي الحالتين لا تكون المشكلة في التكنولوجيا نفسها بل في الطريقة التي نفهم بها التكنولوجيا ونستخدمها داخل النظام القانوني.
لقد أصبحت الهواتف المحمولة ذاكرة شخصية ضخمة تحمل صورا ومحادثات ومواقع وتسجيلات وبيانات زمنية وقد تتحول هذه الذاكرة في لحظة واحدة إلى مسرح كامل للقضية
لكن تحويل هذه الذاكرة إلى دليل يحتاج إلى ضوابط،فليس كل ما يوجد في هاتف الشخص مباحا بلا حدود وليس كل ما يمكن الوصول إليه تقنيا يمكن استخدامه قضائيا من دون مراعاة الخصوصية والحقوق والحريات،وهنا يظهر التحدي الحقيقي،كيف يستطيع القانون أن يستفيد من قوة التكنولوجيا من دون أن يسمح لها بأن تتحول إلى أداة لانتهاك الإنسان،القانون لا يحمي الحقيقة فقط بل يحمي الطريق الذي نصل من خلاله إلى الحقيقة
وهذا ما يجعل الدليل الرقمي مسألة تتجاوز الصورة والرسالة والتسجيل
إنها مسألة تتعلق بثقة العدالة نفسها،فإذا أصبح بإمكان أي شخص صناعة صورة مقنعة أو تركيب محادثة أو تعديل تسجيل أو اقتطاع مشهد من سياقه فإن المحكمة لا تستطيع أن تتعامل مع الشاشة باعتبارها مرآة للحقيقة،الشاشة قد تعكس الحقيقة لكنها قد تعكس أيضا رواية مصنوعة بإتقان، ومن هنا فإن المستقبل لن يحتاج فقط إلى قضاة ومحامين يعرفون القانون بل إلى منظومة قضائية تفهم طبيعة الأدلة الرقمية وآليات التحقق منها وتحفظ توازنها بين التطور التقني والضمانات القانونية.لأن القضية لم تعد بين دليل ورقي ودليل إلكتروني
بل أصبحت بين حقيقة يمكن إثباتها ومعلومة يمكن صناعتها، وبينهما يقف القانون لا ليصدق الصورة لمجرد أنها واضحة ولا ليرفضها لمجرد أنها رقمية بل ليسأل السؤال الذي يجب أن يبقى فوق كل شاشة وفوق كل رواية وفوق كل ادعاء.
هل هذا الدليل يقودنا فعلا إلى الحقيقة؟
أم أنه يقودنا فقط إلى الصورة التي أراد أحدهم أن نصدقها؟