الكاتب : النهار
التاريخ: ١٩ أغسطس-٢٠٢٦       3905

بقلم : عبدالمحسن محمد الحارثي

«اتفق العرب على ألا يتفقوا».. عبارة ساخرة اختزلت عقوداً من التباينات، لكنها لم تعد تكفي لقراءة عالمٍ تغيّرت فيه قواعد القوة؛ فالقوة لم تعد تُقاس بالجغرافيا والسلاح وحدهما، بل بالبيانات، والخوارزميات، والذكاء الاصطناعي، والأمن السيبراني، والاقتصاد الرقمي، وسرعة تحويل المعرفة إلى قرار.

 

لذلك لم يعد السؤال: هل يستطيع العرب أن يتفقوا؟ بل: هل يستطيعون أن يصنعوا قوةً تعمل رغم اختلافهم؟

 

آن للعرب أن يخرجوا من عباءة المشاعر إلى معطف المصالح؛ لا بالتخلي عن الهوية والوجدان، وإنما بتحويل ما يجمعهم من مشاعر إلى مصالح، والمصالح إلى مؤسسات، والمؤسسات إلى قوة.

 

فالعاطفة قد توحّد الشارع، لكنها لا تبني منظومة أمن. والشعارات قد ترفع المعنويات، لكنها لا تحمي شبكة طاقة، ولا تؤمّن سلسلة إمداد، ولا تصد هجوماً سيبرانياً.

 

والعرب لا تنقصهم عناصر القوة: موقع استراتيجي يتحكم في ممرات التجارة، وطاقة، ورؤوس أموال، وأسواق، وموانئ، وموارد بشرية، وثقل ديني وثقافي، وتجارب متقدمة في التقنية والاقتصاد الرقمي.

 

لكن القوة الموزعة أقل من القوة المترابطة.

 

لسنا بحاجة إلى وحدة سياسية تلغي خصوصية الدول، ولا إلى تطابق في المواقف. المطلوب أكثر واقعية وأعمق أثراً: أن نتفق على الثوابت، ولا نختلف على ما لا يجوز الاختلاف عليه؛ ونترك للمتحركات مجالها الطبيعي من التفاوض وتباين الرؤى.

 

أمن الدول، وحماية البنية التحتية، وأمن الطاقة والغذاء والمياه، والممرات البحرية، والأمن السيبراني، وسلامة البيانات؛ هذه ثوابت استراتيجية.

 

أما ما دونها، فمن الطبيعي أن تتعدد فيه الرؤى.

 

فالمشكلة ليست أن نختلف؛ المشكلة أن يتحول اختلافنا إلى ثغرة.

 

وهنا تبدأ لغة القرن الحادي والعشرين.

 

فالخطر لم يعد يعبر الحدود وحدها؛ قد يدخل من خادم، أو شبكة، أو منصة، أو هجوم سيبراني، أو اضطراب في سلسلة إمداد. وأصبحت البيانات جزءاً من السيادة، والذكاء الاصطناعي أداة للرؤية والتنبؤ، والأمن السيبراني خط دفاع وطنياً.

 

ومن هنا يمكن للعرب أن يبنوا شبكة قوة عربية ذكية؛ تتعاون في الإنذار المبكر، وتحليل المخاطر، والأمن السيبراني، والأقمار الصناعية، والذكاء الاصطناعي، وحماية البنية التحتية وسلاسل الإمداد.

 

لا يلزم أن تكون جيوشاً واحدة، ولا دولة واحدة.

 

يكفي أن تكون شبكة واحدة عندما يتعلق الأمر بالخطر الاستراتيجي.

 

تخيل لحظةً مستقبلية: هجوم سيبراني يستهدف منشأة حيوية في دولة عربية. في الماضي قد تحتاج الدولة إلى وقت لاكتشاف الهجوم، ثم تبدأ كل دولة أخرى في التساؤل: هل ستصل إلينا الضربة؟

 

أما في الشبكة العربية الذكية، فتكون الخوارزمية قد التقطت النمط قبل اكتمال الهجوم، وترسل الإشارة إلى المنظومة كلها؛ فتُرفع الحماية في الموانئ ومحطات الطاقة والمصارف وشبكات الاتصالات، وتُراجع سلاسل الإمداد، وتُحلل مصادر الهجوم، ويُتخذ القرار قبل أن يتحول الاختراق إلى أزمة.

 

لا تنتظر الشبكة أن تقع الكارثة في دولة ثانية حتى تتعلم.

 

إنها تتعلم من الخطر لحظة ظهوره.

 

هنا تتحول القوة من انتظار الخطر إلى التنبؤ به.

 

وكما يقول بيتر دراكر: "أفضل طريقة للتنبؤ بالمستقبل هي أن تصنعه".

 

وهذا هو التحدي العربي: ألا نكون مستهلكين للتقنية، بل مشاركين في صناعتها؛ ألا نشتري أدوات القوة فقط، بل نمتلك المعرفة التي تنتجها.

 

فالمال يستطيع شراء التقنية، لكنه لا يشتري العقل الذي يطورها. والبيانات لا تصبح قوة حتى تتحول إلى معرفة، والمعرفة لا تصبح قوة حتى تتحول إلى قرار.

 

وفي عصر الخوارزميات ؛ يمكن أن نستعيد الحكمة العربية بمعنى جديد:

 

قيمة الأمم بما تحسن أن تصنعه، لا بما تملك أن تشتريه.

 

لكن التقنية وحدها لا تكفي؛ فهناك شرط أقدم من الخوارزمية: الثقة.

 

فالمنظومة التي لا تتبادل المعلومات تبقى مجزأة مهما بلغت تقنيتها. وإذا كانت كل دولة تخشى أن تتحول المعلومة التي تشاركها إلى أداة ضغط عليها، فسوف تحتفظ بها؛ وعندما تتجزأ البيانات، تتجزأ الرؤية، وعندما تتجزأ الرؤية يتأخر القرار.

 

لذلك فإن الثقة في القرن الحادي والعشرين ليست قيمة سياسية فحسب؛ إنها بنية تحتية للقوة.

 

وهنا ينبغي أن نعيد تعريف الردع.

 

فالردع ليس ارتفاع الصوت، ولا كثرة العنتريات، ولا حجم المال، ولا عدد الأسلحة وحده.

 

الردع أن يراك خصمك قبل أن يتحرك، وأن يعرف أنك قادر على حماية نفسك، وامتصاص الضربة، والتعافي منها، والرد عليها.

 

ولهذا فإن الردع العربي لا يحتاج بالضرورة إلى جيش واحد؛ بل إلى منظومة قوة متعددة المجالات: عسكرية، واقتصادية، وسيبرانية، وفضائية، ومعلوماتية، وتقنية.

 

ومن هنا يمكن أن تستعيد القومية العربية معناها بلغة جديدة؛ لا باعتبارها عاطفة تستدعي الماضي، بل شبكة مصالح ومعرفة وأمن وتقنية تصنع المستقبل.

 

لقد كان حلم القرن العشرين: وحدة العرب.

 

أما تحدي القرن الحادي والعشرين فهو: بناء شبكة قوة عربية.

 

شبكة لا تلغي الاختلاف، بل تمنع الاختلاف من التحول إلى ضعف؛ ولا تفرض موقفاً واحداً، بل تحمي المصالح التي لا يجوز أن تكون موضع مساومة.

 

ثوابت تجمعنا، ومصالح تحمينا، ومتحركات نختلف حولها، وخوارزميات تساعدنا على رؤية الخطر قبل وقوعه.

 

وهنا تتغير العبارة القديمة.

 

لم يعد السؤال: لماذا لا يتفق العرب؟

 

بل: على ماذا يجب أن يتفق العرب حتى لا يتحول اختلافهم إلى ضعف؟

 

فالعرب لا يحتاجون إلى أن يتفقوا على كل شيء حتى يصبحوا قوة؛ يحتاجون إلى أن يجعلوا اختلافهم مُداراً، ومصالحهم مترابطة، وثوابتهم محمية، وبياناتهم آمنة، وقرارهم أسرع من الخطر.

 

في القرن الماضي كان العرب يبحثون عن الوحدة التي تجمعهم؛ وفي هذا القرن عليهم أن يبنوا الشبكة التي تحميهم.

 

وعندما تصبح هذه الشبكة حقيقة، لن يحتاج العرب إلى إعلان أنهم قوة رادعة.

 

ستعرف الخوارزمية ذلك قبل أن يعرفه العالم.