بقلم ـ علي المالكي
ليست الدول العظيمة هي التي تنتظر ما يصنعه الآخرون ثم تبحث لنفسها عن مكان فيه. بل هي التي تقرأ المستقبل قبل وصوله وتصنع خياراتها بوعي وتبني قوتها بهدوء وتدرك أن العالم لا يحترم إلا الدولة التي تحمي قرارها وتصون سيادتها وتمتلك الاقتصاد والعلم والسلاح والإرادة.
ومن هذه الحقيقة تبرز أمام العالم أهمية العلاقة المتنامية بين المملكة العربية السعودية والجمهورية التركية وجمهورية باكستان الإسلامية. ثلاث دول كبيرة بثقلها وتاريخها وموقعها وإمكاناتها. وثلاث حكومات تدرك حجم التحولات التي يشهدها العالم وتعرف أن المصالح الكبرى تحتاج إلى شراكات كبرى.
إن المملكة العربية السعودية بقيادة خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز وسمو ولي عهده الأمير محمد بن سلمان تمضي اليوم بثقة دولة تعرف مكانتها وتعرف ماذا تريد. فقد أصبحت السعودية مركزًا سياسيًا واقتصاديًا بالغ التأثير وصاحبة مشروع وطني طموح أعاد تشكيل الاقتصاد السعودي وفتح أبواب الصناعة والتقنية والسياحة والاستثمار والتعدين والصناعات العسكرية وبناء الإنسان.
وفي تركيا الشقيقة تقود الحكومة دولة ذات وزن سياسي وعسكري وصناعي مهم استطاعت خلال العقود الماضية تطوير قاعدة صناعية دفاعية لافتة وتوسيع حضورها الاقتصادي والتجاري والاستراتيجي مستفيدة من موقع جغرافي استثنائي يصل آسيا بأوروبا ومن خبرات متراكمة في الصناعة والدفاع والبنية التحتية والتقنية.
أما باكستان الشقيقة فتقف بثقل دولة إسلامية كبرى تمتلك جيشًا كبيرًا وخبرة عسكرية طويلة وقدرات نووية معلنة وقاعدة بشرية وعلمية واسعة. كما حافظت حكوماتها المتعاقبة على علاقات تاريخية وثيقة مع المملكة العربية السعودية وظلت الروابط بين الرياض وإسلام آباد مثالًا لعلاقة تتجاوز المصالح الآنية إلى عمق سياسي وشعبي وديني ممتد.
وحين ننظر إلى هذه الدول الثلاث مجتمعة فإننا لا نرى ثلاث خرائط متباعدة. بل نرى أضلاع مثلث استراتيجي يستطيع إذا أحسن بناؤه أن يتحول إلى واحد من أهم مراكز القوة في العالم الإسلامي.
*ثلاث قوى.. وإرادة تصنع المستقبل*
السعودية تمتلك ثقلًا اقتصاديًا وسياسيًا وروحيًا استثنائيًا. فهي أرض الحرمين الشريفين وقبلة أكثر من مليار مسلم وإحدى أكبر القوى الاقتصادية في المنطقة وعضو مجموعة العشرين ومن أهم الدول المؤثرة في أسواق الطاقة العالمية.
وفوق ذلك تقود المملكة اليوم واحدة من أكبر عمليات التحول الاقتصادي في تاريخها الحديث. حيث أصبحت رؤية السعودية 2030 مشروعًا لبناء دولة أكثر تنوعًا في اقتصادها وأوسع حضورًا في الاستثمار والصناعة والتقنية والسياحة والطاقة والتعدين والخدمات اللوجستية والصناعات الدفاعية.
وهنا تظهر براعة القيادة السعودية في قراءة المستقبل. فالمملكة لم تعد تبني علاقاتها على مفهوم الشريك الواحد. بل توسع دوائر التعاون وتحافظ في الوقت ذاته على علاقاتها الاستراتيجية مع القوى الكبرى وتضع المصلحة السعودية فوق كل اعتبار.
وهذه سياسة الدول الواثقة من نفسها.
أما تركيا فقد استطاعت بناء قاعدة صناعية عسكرية مهمة وأصبحت منتجاتها الدفاعية حاضرة في عدد من الأسواق العالمية. كما راكمت خبرة في الطائرات المسيّرة والمركبات العسكرية والسفن والذخائر والأنظمة الإلكترونية وغيرها من المجالات.
وباستخدام الخبرة التركية مع القدرة الاستثمارية والصناعية السعودية يمكن الانتقال من شراء المعدات إلى تصنيعها ومن استهلاك التقنية إلى امتلاكها ومن استيراد المعرفة إلى المشاركة في إنتاجها.
وهنا تأتي باكستان لتضيف بعدًا ثالثًا بالغ الأهمية. فهي دولة كبيرة سكانًا وصاحبة جيش يمتلك خبرات واسعة وهي الدولة الإسلامية الوحيدة التي تمتلك السلاح النووي بصورة معلنة.
ولا بد هنا من الدقة. فامتلاك باكستان للسلاح النووي حقيقة. أما الحديث عن مظلة نووية مشتركة للدول الثلاث فلا يصح تقديمه كحقيقة قائمة دون اتفاق رسمي معلن. لكن مجرد وجود قوة نووية بحجم باكستان ضمن دائرة تعاون سياسي ودفاعي واقتصادي وثيق يمنح هذه العلاقة وزنًا استراتيجيًا كبيرًا.
والأهم من السلاح نفسه هو المعرفة التي صنعت السلاح.
فالدولة التي استطاعت بناء برنامج نووي وقاعدة عسكرية وصاروخية وعلمية في ظروف دولية معقدة تمتلك خبرات يمكن الاستفادة منها في مجالات الهندسة والبحث العلمي والتدريب والتقنيات المتقدمة.
ومن هنا يمكن أن تصبح العلاقة بين الدول الثلاث مدرسة حقيقية في التكامل.
رأس المال والاستثمار والطاقة السعودية.
والصناعة والخبرة التقنية التركية.
والقوة البشرية والعسكرية والخبرة الاستراتيجية الباكستانية.
وحين تجتمع هذه العناصر فإن حاصل جمعها السياسي والاستراتيجي قد يصبح أكبر بكثير من مجموع أجزائها.
*من السلاح إلى الغذاء.. ومن الاقتصاد إلى الذكاء الاصطناعي*
التحالفات الحديثة لا تبنى بالبنادق وحدها.
الدولة قد تمتلك آلاف الدبابات لكنها تصبح ضعيفة إذا فقدت غذاءها أو طاقتها أو بياناتها أو صناعتها أو تقنيتها.
ولهذا فإن أعظم ما يمكن أن تحققه الرياض وأنقرة وإسلام آباد ليس إنشاء تعاون عسكري فحسب. بل بناء منظومة مصالح تجعل كل دولة منها مصدر قوة للأخرى.
في المجال الدفاعي تستطيع الدول الثلاث توسيع التصنيع المشترك في الطائرات المسيّرة والذخائر والأنظمة الإلكترونية والرادارات والمركبات العسكرية والسفن وتقنيات القيادة والسيطرة والأمن السيبراني والذكاء الاصطناعي الدفاعي.
والسعودية تحديدًا تمتلك فرصة تاريخية في هذا المجال. فقيادتها جعلت توطين الصناعات العسكرية جزءًا من مشروع التحول الوطني. ولذلك فإن التعاون مع تركيا وباكستان يستطيع أن يكون أحد المسارات التي تدعم بناء قاعدة دفاعية سعودية أكثر عمقًا واستقلالًا.
ولا يعني ذلك الاستغناء عن الشركاء التقليديين للمملكة. بل زيادة الخيارات. والدولة القوية هي التي تملك عدة أبواب ولا تجعل أمنها ومصالحها خلف باب واحد.
أما اقتصاديًا فإن الإمكانات أوسع بكثير.
السعودية تمتلك قوة مالية واستثمارية وأسواقًا كبيرة ومشروعات عملاقة.
وتركيا تمتلك صناعة متنوعة وخبرات كبيرة في المقاولات والسياحة والتصنيع والزراعة والتجارة.
وباكستان تمتلك كتلة بشرية ضخمة وقدرات زراعية وصناعية وتقنية وسوقًا واسعة.
ومن هنا يمكن إنشاء شركات مشتركة وصناديق استثمار ومناطق صناعية ومشاريع في الطاقة والتعدين والنقل والموانئ والخدمات اللوجستية والسياحة والتقنية.
ويأتي الأمن الغذائي في مقدمة الملفات التي تستحق بناء استراتيجية ثلاثية طويلة المدى حولها. فالأزمات العالمية أثبتت أن القمح والأرز واللحوم والأعلاف والزيوت ليست مجرد سلع تجارية. بل عناصر من عناصر الأمن القومي.
والسعودية بما تملكه من قدرات استثمارية هائلة تستطيع بالتعاون مع الأراضي الزراعية والإمكانات الإنتاجية في تركيا وباكستان المساهمة في بناء منظومة غذائية أكثر أمانًا واستقرارًا للدول الثلاث.
ثم يأتي ملف المستقبل الأكبر.
الذكاء الاصطناعي.
إن العالم الذي نعرفه يتغير أمام أعيننا. وستصبح الدول التي تمتلك البيانات والحوسبة والذكاء الاصطناعي والأقمار الصناعية والأمن السيبراني والتقنيات المتقدمة أكثر نفوذًا من دول تملك ثروات طبيعية هائلة ولا تمتلك المعرفة.
ولذلك فإن مشروعًا استراتيجيًا بين الدول الثلاث ينبغي أن يذهب إلى الجامعات ومراكز الأبحاث والمختبرات قبل أن يذهب إلى الثكنات العسكرية.
نريد علماء سعوديين وأتراكًا وباكستانيين يعملون معًا.
نريد مراكز أبحاث مشتركة.
نريد استثمارات في الذكاء الاصطناعي والفضاء والروبوتات والأمن السيبراني.
نريد صناعة مشتركة لا سوقًا مشتركة للاستهلاك فقط.
نريد أن يرى الشاب السعودي والتركي والباكستاني في هذه العلاقة فرصة للعمل والتعليم والابتكار وليس مجرد خبر سياسي يشاهده في نشرة الأخبار.
هنا فقط تتحول العلاقات بين الحكومات إلى علاقة بين الأمم.
*قوة تحمي السلام.. ولا تبحث عن الحرب*
السعودية وتركيا وباكستان لا تحتاج إلى صناعة عدو حتى تتعاون.
وهذه نقطة جوهرية.
فالتحالفات الحكيمة لا تقوم بالضرورة ضد أحد. بل تقوم من أجل مصالح أصحابها.
والمملكة بقيادتها الحكيمة أثبتت أنها تستطيع بناء علاقات متوازنة مع الشرق والغرب والمحافظة على شراكاتها التاريخية وفي الوقت نفسه فتح آفاق جديدة مع قوى دولية وإقليمية مختلفة.
وهذه السياسة السعودية تستحق التقدير لأنها تنطلق من حقيقة واضحة وهي أن الرياض ليست ملحقة بأحد. بل عاصمة دولة كبرى تتخذ قراراتها وفق مصالحها الوطنية وأمنها واستقرارها ورؤيتها للمستقبل.
وتركيا كذلك دولة ذات مؤسسات وخبرة سياسية طويلة ولديها مصالح وتحالفات وعلاقات دولية متعددة.
وباكستان بحكم موقعها الجغرافي الحساس وعلاقاتها مع الصين ودول الخليج والولايات المتحدة وغيرها تمتلك خبرة طويلة في إدارة التوازنات الدولية.
لذلك فإن أفضل صورة لهذه الشراكة هي ألا تكون محورًا مغلقًا. بل منصة قوة مفتوحة على العالم.
تتعاون مع واشنطن حين تلتقي المصالح.
وتتعاون مع بكين حين تلتقي المصالح.
وتتعامل مع أوروبا والهند وآسيا وإفريقيا وفق مصالحها.
ولا تسمح لأي قوة خارجية أن تفرض عليها من تصادق ومن تعادي.
إن العالم لا يحترم المترددين.
ولا يحترم الدول التي تجعل أمنها مرهونًا بإرادة الآخرين.
العالم يحترم من يملك اقتصادًا قويًا وجيشًا محترفًا وصناعة متقدمة وعلمًا حديثًا وقيادة تعرف متى تتقدم ومتى تفاوض ومتى تقول نعم ومتى تقول لا.
وهذه العناصر موجودة بدرجات مختلفة في الدول الثلاث.
السعودية بقيادتها الطموحة وثقلها الاقتصادي والسياسي.
وتركيا بحكومتها ومؤسساتها وخبرتها الصناعية والعسكرية.
وباكستان بحكومتها وجيشها وقدراتها البشرية والاستراتيجية.
وإذا استطاعت هذه الحكومات تحويل العلاقات القائمة إلى مؤسسات ومشاريع واستثمارات وبرامج طويلة المدى فإن المنطقة قد تكون أمام ولادة مركز ثقل جديد لا يحتاج إلى رفع صوته كي يسمعه العالم.
لأن القوة الحقيقية لا تحتاج إلى الصراخ.
السعودية لا ينقصها المال ولا المكانة ولا الإرادة.
وتركيا لا تنقصها الصناعة ولا الخبرة ولا الموقع.
وباكستان لا ينقصها الإنسان ولا الجيش ولا العمق الاستراتيجي.
وما ينقص هذا المثلث ليس عناصر القوة.
بل جمع هذه العناصر داخل مشروع كبير يحترم سيادة كل دولة ويحقق مصالح شعوبها ويحمي أمنها ويصنع مستقبل أجيالها.
إن الرياض وأنقرة وإسلام آباد حين تتقارب لا تجمع ثلاث عواصم فقط.
إنها تجمع الخليج والأناضول وجنوب آسيا.
وتجمع الطاقة بالصناعة.
وتجمع الاستثمار بالخبرة.
وتجمع الاقتصاد بالدفاع.
وتجمع الحاضر بالمستقبل.
وفي زمن تتسابق فيه الأمم لبناء التكتلات لا ينبغي للعالم الإسلامي أن يبقى ساحة تتنافس فيها القوى الأخرى.
بل يجب أن يكون له من داخله من يصنع القوة ويحمي المصالح ويقيم العلاقات مع العالم من موقع الند لا من موقع التابع.
ولعل أجمل ما يمكن أن يميز هذه الشراكة أن تقودها حكومات تعرف قيمة الدولة وتفهم معنى السيادة وتدرك أن قوة الحليف الصادق ليست خصمًا من قوتك بل إضافة إليها.
والمملكة العربية السعودية بقيادتها الرشيدة تملك اليوم من الثقة والاستقرار والطموح ما يؤهلها لأن تكون قلبًا اقتصاديًا وسياسيًا لمثل هذه الشراكات الكبرى.
وتركيا بما بنته من قاعدة صناعية وخبرة عسكرية تستطيع أن تكون جناحًا مهمًا فيها.
وباكستان بثقلها العسكري والبشري والاستراتيجي تستطيع أن تكون عمقًا قويًا لها.
وعندها لن يكون السؤال ماذا تستطيع هذه الدول الثلاث أن تفعل؟
بل سيكون السؤال الأهم:
ما الذي لا تستطيع فعله إذا اجتمعت الإرادة مع القوة واجتمع المال مع العلم واجتمعت الصناعة مع الإنسان واجتمع القرار السياسي الحكيم مع مشروع استراتيجي يمتد لعقود؟
هناك تبدأ قصة مختلفة.
قصة ثلاث دول إسلامية كبرى لا تنتظر من العالم أن يرسم مستقبلها.
*بل تمسك القلم بيدها وتكتب مستقبلها بنفسها*.