عبدالمحسن محمد الحارثي
في الحروب ؛ لا تكمن القوة دائماً في السلاح الأكثر لمعاناً، بل في المنظومة التي تجعل السلاح قابلاً للبقاء والتكرار.
ومن هنا ؛ يبدأ السؤال الإيراني: لماذا اختارت طهران بناء قوتها الهجومية على الصواريخ، بدلاً من الدخول في سباق مكلف لبناء قوة جوية تقليدية تنافس بها القوى الكبرى؟
ربما تجيب قاعدة صن تزو: "لا تخطط للحرب التي تتمنى خوضها؛ خطط للحرب التي ستخوضها".
إيران لم تبنِ القوة التي يملكها خصومها؛ بل بنت القوة التي تلائم ظروفها. فبناء قوة جوية حديثة يحتاج إلى طائرات ومطارات ومدارج وحظائر ووقود وصيانة وتدريب؛ منظومة ضخمة، مكلفة، ومساحات واسعة منها قابلة للرصد والاستهداف.
أما الصاروخ ؛ فمنحها طريقاً أقصر إلى القدرة الهجومية بعيدة المدى.
لقد اختصرت الوقت والجهد والمال، ثم اختصرت المسافة بين الدولة والقدرة على الضرب.
وهنا ؛ تبرز قاعدة ليدل هارت: "الاستراتيجية هي الاقتصاد في القوة".
فالدول الكبرى بنت طائراتها كي تحمل الصواريخ؛ أما إيران فبنت صواريخها لتعوض جزءاً من غياب الطائرات.
فالطائرة تحتاج إلى مطار، والمطار هدف مكشوف؛ أما الصاروخ فيمكن أن ينتشر ويتحرك ويختبئ، وأن ينتقل من سطح الأرض إلى باطنها.
لقد نقلت إيران جزءاً من قوتها الهجومية من السماء إلى الأرض، ثم نقلت الأرض نفسها إلى باطن الأرض.
لكن الصاروخ ليس هو المشروع؛ بل مخرَج المشروع.
خلفه معرفة وتصميم ومواد وتصنيع ووقود وتخزين ونقل وإطلاق، ثم قدرة على التعويض وإعادة الإنتاج.
ولهذا ؛ فإن السؤال الحقيقي ليس: كم صاروخاً تملك إيران؟
بل: ما الذي يجعل الصاروخ ممكناً؟ وما الذي يجعل إنتاجه قابلاً للتكرار؟
هنا ننتقل من التدمير إلى التعطيل.
فالتدمير يضرب الموجود؛ أما التعطيل فيضرب القدرة على الاستمرار.
قد تُدمّر منشأة أو منصة أو مخزوناً، لكن السؤال الأهم: هل تعطلت المنظومة عن إعادة إنتاج ما دُمّر؟
وهنا ؛ تظهر الفجوة بين الرؤية السطحية والرؤية العميقة.
السطحيون رأوا الطائرة.
أما العميقون فرأوا ما بعد الطائرة: القدرة على الوصول، والضرب، والبقاء، وإعادة الإنتاج.
فالقوة ليست دائماً في السلاح الأكثر لمعاناً، بل في السلاح الذي يصعب على خصمك أن ينهيه بضربة واحدة.
ومن يريد أن يفك الشفرة الصاروخية الإيرانية ؛ لا يبحث عن الصاروخ وحده ، بل عن الدورة التي تجعل الصاروخ ممكناً وقابلاً للتكرار.
فالسؤال ليس فقط: هل تستطيع أن تدمر السلاح؟
بل: هل تستطيع أن تعطل دورة إنتاج السلاح؟
لأن تدمير الصاروخ قد يكون انتصاراً تكتيكياً؛ أما تعطيل القدرة على إعادة إنتاجه، فهو أثر استراتيجي أعمق.
وهنا تكمن الشفرة.
لقد اختارت إيران الصاروخ لأنها أرادت أن تختصر الطريق إلى القوة؛ لكنها اكتشفت أن اختصار الطريق لا يعني إلغاء الطريق.
وفي النهاية:
لم تكن إيران تبحث عن السلاح الأقوى؛ كانت تبحث عن السلاح الذي يصعب إيقافه.
أما السؤال الذي يبقى مفتوحاً:
من يفك الشفرة؟!!