بقلم: عيسى المزمومي
يخطئ من يظن أن الإنسان ينتهي حين يتوقف قلبه عن النبض؛ فالموت لا يملك إلا الجسد، أما الروح التي تسكن أعمال الإنسان وكلماته وأثره، فإنها تمضي في رحلة أخرى قد تكون أطول من حياته نفسها. ولعلها الحكمة التي تجعل بعض الراحلين أكثر حضورًا بعد رحيلهم، حتى لكأن الغياب لم يكن إلا انتقالًا من مجلس الدنيا إلى رحابة الذاكرة!
وحين تأملت في أحوال الناس، أدركت أن الأعمار لا تُقاس بعدد السنين، وإنما بمقدار ما يتركه الإنسان في قلوب الآخرين. فكم من رجلٍ عاش طويلًا، ثم انطوت صفحته مع آخر يوم من حياته، وكم من آخر رحل مبكرًا، لكنه بقي حاضرًا في الأحاديث، والدعوات، والمواقف، وفي كل ذكرٍ جميل. فالأثر هو العمر الحقيقي، وما سواه أرقام تذروها الأيام.
و عندما يرد اسم الشاعر الراحل عناد المطيري (أبو أحلام)، رحمه الله، لا يحضر اسم شاعر فحسب، بل تحضر سيرة إنسان آمن بأن الكلمة ليست زينةً للسان، بل مسؤولية ورسالة، وأن الشعر لا يُكتب طلبًا للتصفيق، وإنما ليجد الإنسان نفسه بين أبياته. ولذلك بقي شعره حيًّا؛ لأنه خرج من قلبٍ صادق، وما خرج من القلب استقر في القلوب.
ومن أجمل ما يميز الكلمة الصادقة أنها لا تعرف الشيخوخة؛ فقد تشيخ الأوراق، وتبهت الحروف، وتتبدل الأزمنة، لكن المعاني العميقة تظل فتية، تعبر من جيل إلى جيل دون أن تفقد بريقها. ولهذا يعود بعض الشعراء إلى الذاكرة كلما مررنا بتجربة تشبه تجاربهم، أو لامسنا بيتٌ من الشعر اختصر ما تعجز عن قوله الصفحات الطوال.
وقد كان أبو أحلام واحدًا من أولئك الذين تركوا بصمتهم في الشعر الشعبي السعودي دون ضجيج. لم يكن أسير الأضواء، ولا ممن يطاردون الشهرة، بل كان يترك للقصيدة أن تتحدث عنه، وللأثر أن يسبق اسمه. وتلك منزلة لا يبلغها إلا من صدق مع نفسه قبل أن يصدق مع جمهوره.
وأذكر أنني التقيته في إحدى الأمسيات الأدبية بمدينة جدة، وكان اللقاء عابرًا في زمنه، عميقًا في أثره. أدركت منذ اللحظات الأولى أن بعض الرجال تعرفهم أخلاقهم قبل أن تعرفهم أسماؤهم، وأن التواضع يظل أجمل ما يتحلى به المبدع. كان حديثه هادئًا، بعيدًا عن التكلف، وكانت كلماته تشبه شعره؛ بسيطة في ظاهرها، عميقة في معناها، تترك في النفس أثرًا لا يزول.
وحين أنشد قصيدته «الحلم»:
«على رصيفِ الشمسِ في رحلةِ الذاتِ
ناداكِ تيارُ الغرامِ ووقفتِ
بيديكِ نورٌ... وفي عينيكِ مسافاتٌ
لو أن الحقيقةَ مرّت بكِ ما عرفتِ»
أدركت أنني أمام شاعر لا يكتب من أجل الوزن والقافية وحدهما، بل يكتب للإنسان، وللهمّ، وللصدق، وللحياة. كان قريبًا من المتلقي، قادرًا على ملامسة وجدانه، متمكنًا من أدواته، مجيدًا للتنقل بين بحور الشعر، دون أن يفقد صوته الخاص أو بصمته المميزة!
وفي عام 2023م رحل أبو أحلام بعد معاناة مع المرض، غير أن رحيله أعاد إلى الذهن حقيقة كثيرًا ما نغفل عنها؛ وهي أن المرض قد يرهق الجسد، لكنه لا يستطيع أن يمحو الأثر الجميل. فالجسد يفنى، أما الكلمة الصادقة فتظل تمارس حياتها في وجدان الناس، وكأن صاحبها ما زال بينهم.
ولعل الأدباء والشعراء أكثر الناس قدرة على مقاومة النسيان؛ لأنهم يودعون شيئًا من أرواحهم بين السطور. فكل قصيدة صادقة نافذة يطل منها صاحبها على من يأتي بعده، وكل نص مخلص يصبح جسرًا يعبر عليه الزمن دون أن يهدمه. ولهذا لا يكون موت المبدع نهاية حضوره، بل بداية مرحلة أخرى من البقاء.
وقد علمتني الحياة أن الإنسان لا يورث الناس ما يملك، بقدر ما يورثهم ما يغرسه. فالمال ينتقل إلى الورثة، والمناصب يشغلها غير أصحابها، أما السيرة الحسنة فتبقى لصاحبها، ترافق اسمه كلما ذُكر، وتستدعي له دعوة صادقة من قلب عرف فضله، أو انتفع بكلمة قالها، أو موقف صنعه، أو خُلُق تحلّى به.
ومن هنا يصبح الامتنان للراحلين خلقًا من أخلاق الوفاء؛ لا لأنه يغيّر من حقيقة الموت، بل لأنه يحفظ الجميل من النسيان. فالوفاء الحق ليس أن نبكي من رحلوا، وإنما أن نحفظ سيرتهم، وأن ننصفهم في غيابهم، وأن نستبقي آثارهم حيّة في الذاكرة، حتى لا يطويهم النسيان كما طوى التراب أجسادهم.
لقد كان عناد المطيري واحدًا من أولئك الذين أدركوا أن الشعر رسالة قبل أن يكون صناعة، وأن الكلمة أمانة قبل أن تكون موهبة. ولذلك بقيت قصائده تحمل نبض الإنسان، وتلامس أفراحه وأوجاعه؛ لأنها لم تُكتب للعابرين، بل كُتبت لتسكن القلوب.
وكلما تقدمت بنا السنون، ازددت يقينًا بأن الإنسان لا يخلده ما جمعه من مال، ولا ما تقلده من منصب، وإنما ما تركه من أثر صالح. فرب بيت شعر أحيا أملًا في نفس يائسة، ورب كلمة مواساة كانت سببًا في جبر قلب منكسر، ورب موقف كريم بقي في الذاكرة أعظم أثرًا من آلاف الخطب والشعارات.
رحم الله الشاعر عناد المطيري (أبا أحلام)، ورحم كل من غادر الدنيا بعدما أضاء للناس طريقًا، وترك في حياتهم أثرًا طيبًا. فهؤلاء لا يموتون بالمعنى الكامل للموت؛ لأن أرواحهم تظل حاضرة في أعمالهم، وسيرتهم، وذكراهم الحسنة.
ويبقى اليقين الذي لا يتغير: أن الإنسان قد يرحل جسدًا، لكن روحه تبقى ما بقي الخير الذي زرعه، والكلمة التي كتبها، والخُلُق الذي عاش به. وتلك هي الحياة الثانية التي لا يهبها الزمن إلا لمن جعل من عمره رسالة، ومن أثره ميراثًا للأجيال!