الكاتب : النهار
التاريخ: ٠٦ يوليو-٢٠٢٦       3685

بقلم - د. غالب محمد طه
في مساء صيفي معتدل، اقترح عليّ صديقي أبو حمود الخروج في جولة قصيرة بالسيارة، استمتاعاً بنسمة المساء وكسراً لرتابة اليوم. انطلقنا من وسط مدينة حفر الباطن، مروراً بالقيصومة، حتى وجدنا أنفسنا أمام منفذ الرقعي. ومع امتداد المسار واتساع الأفق، بدا المشهد مختلفاً عن الصورة الذهنية المتداولة للمحافظة. عندها قال أبو حمود مبتسماً: «من يسلك هذا الطريق يدرك أن  حفر الباطن  ليست بعيدة كما يظن كثيرون». ومن تلك الملاحظة البسيطة بدأ حديثنا عن دور الموقع في تشكيل مستقبل المدن، وكيف يمكن للجغرافيا أن تتحول إلى عنصر قوة يتجاوز مجرد قياس المسافات.
وبقي ذلك الحديث عالقاً في ذهني حتى قرأت، بعد أيام، مقال الأستاذ سلمان المشلحي عن زيارة الرئيس التنفيذي لهيئة تطوير المنطقة الشرقية الدكتور طلال المغلوث إلى حفر الباطن، وما تضمنه من تأكيد أن البعد الجغرافي للمحافظة لم يعد عائقاً أمام التنمية. وهي فكرة تستحق التوقف عندها؛ لأنها تدعونا إلى إعادة النظر في الطريقة التي نقرأ بها جغرافيا المدن، والانتقال من قياسها بالمسافات إلى تقديرها بما تملكه من فرص تدعم مسارات التحول.
لم تعد الأدبيات التنموية تنظر إلى المدن بمنطق "المركز والأطراف"، فالموقع اليوم يكتسب قيمته من قدرته على الربط بين الأسواق، وتحريك الأنشطة الاقتصادية، وصناعة مزايا تنافسية مستدامة. ومن هذه الزاوية تبدو  حفر الباطن  جديرة بقراءة مختلفة تنطلق من موقعها بوصفه مورداً استثمارياً، لا مجرد وصف جغرافي على الخارطة.
تقع المحافظة عند نقطة تلتقي فيها حركة النقل البري مع الامتداد الطبيعي نحو أسواق الخليج، وترتبط بشبكة طرق حيوية تمنحها حضوراً يتجاوز حدودها الإدارية. ويمثل هذا الحضور رصيداً استراتيجياً يعزز مكانتها في منظومة الخدمات اللوجستية، ويفتح أمامها آفاقاً استثمارية تتسق مع مستهدفات رؤية السعودية 2030.
وتعزز هذا التصور التحولات التي شهدتها المحافظة خلال السنوات الأخيرة؛ من التوسع العمراني، وترقية البنية التحتية، إلى جانب تطور بيئتها الحضرية. ولا تعكس هذه المؤشرات نمواً عمرانياً فحسب، بل تكشف أيضاً عن جاهزية متزايدة لاستقطاب الاستثمارات النوعية، وتفعيل دور المحافظة في منظومة التنمية الوطنية. وعندما تتوافر البيئة الحضرية الجاذبة، يصبح المواطن هو المستفيد الأول، عبر اتساع فرص التوظيف، ونمو النشاط الاقتصادي المحلي.
وإذا كان الموقع يمثل أهم المزايا النسبية للمحافظة، فإن أهميته تتعاظم حين يُنظر إليه في إطار مستهدفات رؤية السعودية 2030، التي تقوم على تنويع الاقتصاد، وتعزيز كفاءة الإمداد، والاستفادة من المقومات التنافسية لمختلف مناطق المملكة. فالمدن لا تصنع تحولاتها بكثرة المشروعات، وإنما بقدرتها على توظيف مقوماتها في مسارات تحقق أثراً تنموياً مستداماً.
ويعزز هذا التوجه ما حققته المحافظة من تطور في مؤشرات الأداء الحضري والرقمي، والذي تُوِّج بإدراجها ضمن مؤشر المدن الذكية العالمي لعام 2026، بما يعكس تقدماً في كفاءة الإدارة الحضرية وتوظيف التقنيات الحديثة. كما أن الحراك الذي تقوده هيئة تطوير المنطقة الشرقية، في ظل دعم صاحب السمو الملكي أمير المنطقة الشرقية، واهتمام صاحب السمو الأمير محافظ حفر الباطن، يعكس توجهاً يقوم على التخطيط المستقبلي، وتعزيز الشراكة مع القطاع الخاص، وتهيئة بيئة استثمارية جاذبة في مناخ اتسم بالشفافية والواقعية في طرح التحديات واستشراف الفرص الواعدة.
لكن أي حديث عن التنمية يظل ناقصاً إذا اقتصر على المكان دون الإنسان. فالمدن لا تُقاس بضخامة بنيتها التحتية، وإنما بما تتيحه من خيارات تمنح سكانها القدرة على الإنتاج والاستقرار. وعندما يصبح الإنسان محور التخطيط، تتحول التنمية من مشروع عمراني مجرد إلى بنية اقتصادية متكاملة، ينعكس أثره على استدامة النمو.
ولعل هذا هو جوهر الفكرة التي انطلق منها الأستاذ سلمان المشلحي في مقاله، فالقضية لم تكن يوماً في البعد الجغرافي لحفر الباطن، وإنما في زاوية النظر الموجهة نحوها. وما بدأ بجولة قصيرة غير مخطط لها، انتهى بقناعة راسخة بأن الجغرافيا ليست حدوداً ترسمها الخرائط، وإنما إمكانات تكشفها الرؤية. وحفر الباطن، بما تمتلكه اليوم من مقومات، مهيأة لأن تقدم نموذجاً يؤكد أن المدن لا تصنع مستقبلها بموقعها وحده، وإنما برؤيتها وقدرتها على تحويل هذا الموقع إلى قيمة مضافة تعزز مسيرة التنمية الوطنية، وتترجم آثارها إلى فرص أوسع وجودة حياة أفضل لسكانها.