النهار

٢٨ يونيو-٢٠٢٦

الكاتب : النهار
التاريخ: ٢٨ يونيو-٢٠٢٦       10285

بقلم - هلا الخباز 

روح نام.. ليش؟
بكرة في مدرسة.. ليش؟
ليش في شمس؟
ليش أنا موجود؟
ثم تبدأ سلسلة لا تنتهي من الأسئلة...
ربما تكون كلمة **"ليش؟"** أول كلمة يتقنها الطفل بعد أن يبدأ بالكلام. لا يهم إن وُلد في الشرق أو الغرب، في مدينة كبيرة أو قرية صغيرة، ففضوله لا يعرف لغة ولا حدودًا. يريد أن يعرف كل شيء؛ لماذا السماء زرقاء؟ لماذا تمطر؟ لماذا نموت؟ ولماذا لا يطير الإنسان؟
كأن الإنسان يولد مزودًا برغبة فطرية في فهم العالم، لكن شيئًا ما يحدث في الطريق، تتراجع الأسئلة، ويزداد عدد الإجابات الجاهزة، يتحول الفضول إلى تردد، ثم إلى صمت، ويكبر الإنسان حتى يصبح السؤال الذي كان يملأ طفولته... شيئًا يخشى طرحه.
فمتى فقدنا شجاعتنا الأولى؟
ومتى أصبح اليقين أكثر راحة من البحث؟
وهل نحن فعلًا توقفنا عن السؤال لأننا وجدنا كل الإجابات... أم لأننا اعتدنا أن نكتفي بما قيل لنا؟
وما من حضارة تقدمت لأنها امتلكت جميع الإجابات، بل لأنها لم تتوقف عن طرح الأسئلة. .ربما لهذا لم يكن السؤال يومًا نقيضًا للمعرفة، بل كان دائمًا بدايتها.
والحقيقة أنى لا أذكر أن أحدًا علّمنا صراحة أن نتوقف عن السؤال.
لم يجلس أحد أمامنا ليقول: "لا تفكر."
ومع ذلك، كبر كثير منا وهو يشعر أن بعض الأسئلة ثقيلة، وبعضها غير مرحب به، وبعضها قد يجر صاحبه إلى ما لا تُحمد عقباه.
في المدرسة، كان الطالب الذي يكثر من الأسئلة يُوصف أحيانًا بأنه يشتت الحصة أو يستهلك وقت المعلم، بينما كان حفظ الإجابة الصحيحة يُكافأ أكثر من البحث عن إجابة جديدة.
وفي المنزل، كثيرًا ما كانت تنتهي بعض النقاشات بعبارات مثل: "نفّذ ولا تناقش"، أو "ستفهم عندما تكبر". قد تكون هذه العبارات مبررة أحيانًا بحكم فارق العمر أو الخبرة، لكنها إذا تحولت إلى أسلوب دائم، فإنها لا تعلم الطاعة فقط، بل قد تزرع في النفس شعورًا بأن السؤال نفسه فعل غير مرغوب فيه.
ومع مرور السنوات، لا يعود الإنسان بحاجة إلى من يمنعه من التفكير؛ فهو يتولى هذه المهمة بنفسه.
يشير عالم النفس دانيال كانيمان في كتابه" التفكير السريع والبطيء" إلى أن العقل البشري يميل بطبيعته إلى اختيار الطريق الأقل جهدًا. فنحن نحب الإجابات الجاهزة لأنها توفر علينا عناء إعادة التفكير، ونرتاح للأفكار المألوفة لأنها تمنحنا شعورًا بالاستقرار.
وتدعم ذلك أبحاث ما يُعرف بـ"التنافر المعرفي"، التي قدمها عالم النفس ليون فستنغر، إذ توضح أن الإنسان يشعر بعدم الارتياح عندما تصطدم معلومة جديدة بقناعة قديمة، فيميل أحيانًا إلى رفض المعلومة بدلًا من إعادة النظر في قناعته.
لذلك، فإن مقاومة السؤال ليست دائمًا تعصبًا أو عنادًا، بل قد تكون محاولة لا واعية للحفاظ على الاتساق النفسي..ولا يقتصر الأمر على الأفراد، بل يمتد إلى الجماعات أيضًا.
حيث صاغ عالم النفس إرفينغ جانيس مفهوم "التفكير الجمعي" (Groupthink)، وهو الميل داخل المجموعات إلى تجنب الآراء المخالفة والأسئلة النقدية حفاظًا على الانسجام الداخلي. والمفارقة أن هذا السلوك قد يدفع جماعات كاملة إلى اتخاذ قرارات ضعيفة، ليس لأنها تفتقر إلى الذكاء، بل لأنها تفتقر إلى من يجرؤ على السؤال.
ولهذا، فإن السؤال ليس مجرد أداة للمعرفة، بل أداة لحماية المجتمعات من أخطائها.
ولعل أخطر ما في الأمر أن هذه الثقافة لا تبقى محصورة في المدرسة أو الأسرة، بل تنتقل إلى السياسة والإعلام والاقتصاد، وأحيانًا حتى إلى طريقة تعاملنا مع المعرفة الدينية.
فالإنسان بطبيعته يميل إلى من يقدم له يقينًا سريعًا، بينما يتردد أمام من يدعوه إلى التفكير.
ولهذا تنتشر الشعارات أكثر من الكتب، والمقاطع المختصرة أكثر من الدراسات، والإجابات القاطعة أكثر من الأسئلة المفتوحة.
فالسؤال يتطلب وقتًا... أما اليقين الجاهز فلا يحتاج إلا إلى التصديق.

ومن هنا، قد تُفهم بعض النصوص الدينية خارج سياقها فتتحول، دون قصد، إلى مبرر للخوف من السؤال.
فمثلًا، يستشهد البعض بقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾
وكأنها دعوة إلى ترك التساؤل مطلقًا.
لكن العودة إلى كتب التفسير تبين أن الآية جاءت في سياق معين، يتعلق بأسئلة كان من شأنها أن تفضي إلى تكاليف أو أحكام إضافية خوفاً علينا من المشقة أو الحزن ، لا إلى إغلاق باب التفكير.
بل إن القرآن نفسه يكرر، في عشرات المواضع، الدعوة إلى التعقل والتدبر والنظر في الكون والأنفس والتاريخ: ﴿أفلا تعقلون﴾، ﴿أفلا يتدبرون القرآن﴾، ﴿لقوم يتفكرون﴾.
وهنا تبرز فكرة تستحق التأمل: ربما لم تكن المشكلة يومًا في السؤال، بل في نوع السؤال، وفي غايته، وفي الطريقة التي نقرأ بها النصوص. فالنص ثابت، أما فهم الإنسان له فهو جهد بشري، يظل قابلًا للمراجعة والحوار والاجتهاد.
وبسبب هذا أتساءل أحياناً 
متى كانت آخر مرة سألت فيها سؤالًا حقيقيًا؟
ليس سؤالًا أعرف إجابته مسبقًا...
بل سؤالًا كنت مستعدًا لأن يغيّرني إن كانت إجابته مختلفة عما أؤمن به.
ربما هناك...
بين هذا السؤال، وتلك الشجاعة، يبدأ الإنسان بالنمو من جديد.
ويا ترى... لو عاد الطفل الذي كنته يومًا، هل سيفتخر بعدد الإجابات التي تملكها اليوم... أم سيستغرب أنك توقفت عن قول: لماذا؟"