الكاتب : النهار
التاريخ: ٠٦ يونيو-٢٠٢٦       2750

بقلم ـ د. علي بن  عالي  السعدوني
الإنسانية ليست كلمة عابرة تُقال في الخطب والمناسبات، ولا قيمة أخلاقية تُستدعى عند الحاجة ثم تُغادر المشهد بانتهاء الحدث، وإنما هي ذلك الشعور العميق الذي يجعل الإنسان قادرًا على الإحساس بآلام الآخرين مهما ابتعدت بينه وبينهم المسافات، وقادرًا على التفاعل مع أحزانهم مهما اختلفت المواقع والمراتب والمسؤوليات، وقادرًا على تقديم المواساة الصادقة التي تنبع من القلب قبل أن تمر عبر الكلمات والعبارات.
فالناس في هذه الحياة لا يتذكرون كثيرًا عدد المناصب التي تقلدها المسؤولون، ولا حجم الصلاحيات التي كانت بأيديهم، ولا عدد القرارات التي وقّعوها خلال مسيرتهم العملية بقدر ما يتذكرون تلك المواقف الإنسانية التي ظهرت فيها الرحمة بأجمل صورها، والتعاطف بأصدق معانيه، والاهتمام بالناس بوصفهم بشرًا يحملون مشاعر وآمالًا وأحزانًا لا بوصفهم أرقامًا في التقارير والإحصاءات والسجلات الرسمية.
وعندما تقع المصائب الكبرى، وتتحول الحياة في لحظة واحدة من حالة الاستقرار والطمأنينة إلى مشهد يملؤه الحزن والأسى والوجع العميق الذي يعجز اللسان عن وصفه وتضيق الكلمات عن الإحاطة به مهما بلغت من البلاغة والفصاحة والقدرة على التعبير تظهر القيمة الحقيقية للمواقف الإنسانية التي تمنح أصحاب المصاب شعورًا بأن المجتمع ما زال متماسكًا، وأن القلوب ما زالت قادرة على مشاركة الآخرين آلامهم، وأن التعاطف الصادق ما زال حاضرًا في زمن طغت فيه الماديات والانشغالات اليومية على كثير من العلاقات الإنسانية.
ومن أشد الابتلاءات التي يمكن أن يتعرض لها الإنسان ذلك الابتلاء الذي يمس أعماق القلب ويترك في النفس أثرًا طويلًا لا تزيله الأيام بسهولة ولا تمحوه السنوات مهما امتد بها الزمن وتعاقبت أحداث الحياة ومشاغلها، أن يفقد أبناءه الذين كانوا يملؤون المنزل حياةً وحركةً وضحكاتٍ وأحلامًا صغيرةً تتشكل كل يوم أمام عينيه وتمنحه الأمل في المستقبل وتجعله يرى امتداد عمره في وجوههم البريئة وخطواتهم الأولى وكلماتهم التي لا تغادر الذاكرة مهما تقدمت السنون.
وفي هذا المشهد الإنساني المؤلم  الذي يلامس مشاعر كل أب وكل أم ويستدعي في النفوس معاني الرحمة والتعاطف والتكافل الاجتماعي الذي قامت عليه المجتمعات المتماسكة عبر التاريخ جاءت لفتة معالي وزير الشؤون الإسلامية والدعوة والإرشاد الدكتور عبداللطيف آل الشيخ حين قدّم تعازيه ومواساته لوالد الأطفال المتوفين في حريق منزلهم بقرية النجامية جنوب منطقة جازان في صورة تعكس حضور الجانب الإنساني لدى المسؤول، وتؤكد أن العمل العام لا يكتمل بالقرارات والإجراءات وحدها، وإنما يكتمل كذلك بالقرب من الناس ومشاركتهم مشاعرهم في أوقات الفرح والحزن والنجاح والابتلاء.
ولم تكن هذه المواساة مجرد إجراء بروتوكولي معتاد تؤديه المناصب الرسمية بحكم الواجب الوظيفي وما تفرضه متطلبات العمل العام من تواصل مع الأحداث المختلفة التي تمر بالمجتمع بين حين وآخر، وإنما كانت رسالة إنسانية تحمل في مضمونها معاني الاهتمام الصادق بمشاعر الأسرة المنكوبة، والتقدير لحجم المصاب الذي ألم بها، والإدراك العميق لما يتركه فقد الأبناء من حزنٍ ثقيلٍ يرافق الإنسان طويلًا ويظل حاضرًا في تفاصيل حياته وذكرياته وأحاديثه ونظرته إلى كثير من الأشياء من حوله.
كما أن مثل هذه المواقف تعزز صورة التلاحم الوطني ذلك التلاحم الذي يقوم على شعور أبناء الوطن بأنهم أسرة واحدة تتشارك الأفراح والأحزان وتتقاسم المسؤوليات وتلتقي عند قيم الرحمة والتراحم والتكافل والتعاضد التي شكلت على الدوام إحدى أهم ركائز المجتمع السعودي عبر تاريخه الطويل الممتد في العطاء والتلاحم والوقوف إلى جانب المحتاج والمتضرر وصاحب المصاب.
إن المواقف الإنسانية الصادقة التي تأتي في لحظات يكون فيها الإنسان أحوج ما يكون إلى كلمة مواساة تخفف شيئًا من حزنه وإلى موقف نبيل يشعره بأن الآخرين يشاركونه مشاعره ويقفون إلى جانبه في محنته ويمنحونه قدرًا من السلوى في مواجهة الألم الذي يعتصر قلبه تبقى راسخة في الذاكرة أكثر من كثير من الإنجازات والأعمال؛ لأن القلوب تحفظ المواقف النبيلة، وتبقى ممتنة لكل يد امتدت بالمواساة، ولكل كلمة صادقة خففت من وقع الفاجعة، ولكل موقف إنساني أكد أن الرحمة ستظل أعظم ما يجمع البشر مهما اختلفت مواقعهم ومناصبهم وظروفهم.
رحم الله الأطفال المتوفين رحمة واسعة، رحمة تملأ قبورهم نورًا وسكينة وتغمرهم بعفو الله ورضوانه وواسع فضله وكرمه، وألهم ذويهم الصبر والسلوان والثبات والاحتساب في هذا المصاب الجلل الذي هز المشاعر وأوجع القلوب، وحفظ الله وطننا وقيادته ومجتمعه من كل سوء ومكروه، وأدام عليه نعمة التراحم والتكافل والتلاحم التي تمثل واحدة من أجمل الصور المشرقة في حياة هذا الوطن المبارك.