الكاتب : النهار السعودية
التاريخ: ٠٦ يونيو-٢٠٢٦       5610

بقلم - طارق محمود نواب

حين يضيعُ الفرقُ بين الضجيجِ والمعرفة، تبدأُ الحقائقُ بالخفوتتدريجيًا، بل تتآكلُ بصمت، كما ينخرُ الوهنُ الجدارَ العتيق من أعماقِه، حتى ينهارَ دفعةً واحدة أمام دهشةِ الجميع.

وفي كلِّ عصرٍ، يظهرُ من يُعيدُ تعريفَ الأشياء، لا كما هي، بل كمايريدُ لها أن تبدو. فتتحوّلُ البديهياتُ إلى موضعِ شك، ويُقدَّم العبثُعلى أنه اكتشاف، ويُعادُ تلميعُ الوهم حتى يغدو في أعين البعض"حقيقةً حديثة".

وهنا تبدأُ اللحظةُ الأخطر حين يصبحُ النارُ ماءً، ويصبحُ السمُّ نصيحة.

فنسمعُ عن أنظمةٍ غذائيةٍ غريبة، ووصفاتٍ عشبيةٍ تُسوَّق وكأنها مفاتيحُالخلود، حتى لم يعد الأمرُ مجردَ اختلافٍ في الرأي، بل تمرّدًا كاملًاعلى المنطقِ والعلمِ والفطرة.

وأصبح بعضُ الناس لا يثقُ بالحقيقةِ إلا إذا جاءت صادمة، ولا يقتنعُبالفكرةِ إلا إذا خالفت ما استقرَّ عليه العقلُ الإنساني عبر القرون.

ولهذا، لم يعد غريبًا أن يظهرَ من يقول، إنَّ الضررَ منفعة، وإنَّ ماأجمع عليه الطبُّ مجرّدُ "خدعةٍ قديمة"، وإنَّ ما عاش عليه البشرُطبيعيًا عبر التاريخ هو أصلُ البلاء.

لكنَّ المؤلمَ ، ليس وجودُ هذه الطروحات وحدها، بل ذلك التصفيقُ الحارُّالذي تُستقبلُ به، وكأنَّ الإنسانَ المعاصر لم يعد يبحثُ عن الحقيقة، بلعن الدهشة فقط.

ولقد أصبح البعضُ ينجذبُ إلى كلِّ فكرةٍ غريبة، ويظنُّ أن مخالفةَالجميع تعني الذكاء، وأنَّ الصدمةَ دليلُ عمق، وأنَّ التشكيكَ في كلِّشيءٍ نوعٌ من "الوعي المتقدّم".

وهكذا، يتحوّلُ الضجيجُ إلى مرجعية، وتتحوّلُ المنصّاتُ إلى مسارحَيتقدّمُ فيها الأكثرُ إثارةً لا الأكثرُ علمًا، ويصبحُ صاحبُ العبارةِالصادمة أعلى صوتًا من أصحابِ المعرفةِ الحقيقيين.

ولعل أخطرَ ما قد يحدثُ للعقلِ البشري، أن يفقدَ قدرتَه على التمييز بينالحقيقةِ والاستعراض، بين العلمِ والادّعاء، بين الباحثِ عن الفائدة،والباحثِ عن الأتباع.

فالحقيقةُ بطبيعتها هادئة، لا تحتاجُ إلى ضجيجٍ كي تثبتَ نفسها، ولاإلى مسرحٍ كاملٍ حتى تُقنع الناس. أمّا الوهم فعادةً ما يرتدي ثيابَالحكمة، ويُكثرُ من العناوينِ البرّاقة، ويجيدُ اللعبَ على فضولِ البشروخوفهم ورغبتهم في "الاكتشاف المختلف".

ولهذا، فإنَّ أكثرَ ما تحتاجه المجتمعاتُ اليوم، ليس المزيدَ من الأصوات،بل المزيدَ من الوعي.

حيث نحتاجُ إلى عقولٍ تعرفُ أنَّ كلَّ ما يُقال ليس حقيقة، وأنَّ كثرةَالمتابعين ليست دليلًا على الصواب، وأنَّ الثقةَ العمياء قد تكون أخطرَمن الجهل نفسه.

فالجاهلُ قد يتعلّم يومًا، أمّا الذي يظنُّ أنه امتلك الحقيقةَ المطلقة،فنادرًا ما يعودُ ليسأل أو يُراجع.

وحقيقة فقد أصبح بعضُ الناس يهربُ من العلم لأنه "تقليدي"، ويبحثُعن الأفكارِ الشاذة لأنها تمنحهُ شعورًا بالتميّز، حتى لو كانت تناقضُالعقلَ والمنطقَ والواقع.

وهنا تتحوّلُ الكارثةُ من رأيٍ عابر، إلى ثقافةٍ كاملة، تُعيدُ تشكيلَ وعيِالناس على أساسِ الإثارةِ لا المعرفة، وعلى الانبهارِ لا البرهان.

ولعل أخطرَ أنواعِ التضليل، ليس الكذبَ الواضح، بل الكذبُ الذييرتدي نصفَ حقيقة، ثم يُزيَّنُ بالكلماتِ اللامعة حتى يبدو مقنعًا.

ولهذا، فإنَّ النجاةَ الفكريةَ في هذا الزمن، لا تكونُ بكثرةِ ما تسمع، بلبقدرتك على التمييز، ولا بكثرةِ من تتبع، بل بمدى حفاظك على عقلكمن أن يتحوّل إلى ساحةٍ مفتوحة لكلِّ فكرةٍ عابرة.

لأنَّ العالمَ حين يختلطُ فيه الماءُ بالنار، ويصبحُ السمُّ نصيحة، فإنَّ أولَما يجبُ إنقاذه هو العقل.