الكاتب : النهار
التاريخ: ٣١ مايو-٢٠٢٦       24035

بقلم ـ د. شاهر السلمي

عند مواجهة مشكلة حضرية "كالازدحام المروري"، يميل أغلبنا الى إلقاء اللوم على التخطيط وسوء البنية التحتية. ولكن الحقيقة التي يغفل عنها الكثيرون هي أن "ليست كل مشكلة حضرية تقف خلفها خطة سيئة"، التخطيط في جوهره عملية ديناميكية تتحكم بها متغيرات أحياناً تكون "غير قابلة للضبط" أو يصعب ضبطها. السلوك البشري إحدى أهم تلك المتغيرات، فالتخطيط الاستشرافي المقيد بمعطيات وأدوات وقت وضع الخطة قد يكون صحيحاً ودقيقاً إلى أبعد درجة، ولكن مع هذا قد يفشل، بكل بساطة لعدم فهمه لقواعد السلوك البشري. التحدي الأكبر للمخطط هو تصميم واقع يتناسب مع "مستقبل مجهول يقوده سلوك غير منضبط "، وبما أن تصورنا للمستقبل هو المحرك، فإن هامش المخاطرة يظل مرتفعاً. لذا، على المخطط العقلاني وضع "هامش خطأ متوقع" يجعل خطته مرنة لاستيعاب المفاجآت وخاصة تلك المتعلقة بالسلوك. 

تعيش الرياض حالياً مرحلة انتقالية، حيث تتصدر مشاريع "النقل العام" والبنية التحتية "كالجسور والطرق السريعة" أولويات صانع القرار. ومع اقتراب اكتمالها، يبرز السؤال الجوهري هل ستنهي هذه المشاريع معضلة الازدحام فعلاً؟ هنا يجب تفعيل "هامش الخطأ"، ماذا لو لم تكن هذه المشاريع فعالة بالقدر المطلوب؟

إن المشاريع القائمة على معادلة "العرض والطلب" تتطلب دراسة عميقة لمتغير حاسم ألا وهو "سلوك الافراد". لتوضيح خطورة تجاهل السلوك، نلقي نظرة على تجربة "لوس أنجلوس"، ظن المخططون أن توسيع الطرق السريعة هو الحل، ولكن النتيجة كانت عكسية، فبمجرد زيادة "العرض" (حارات إضافية)، تغير "السلوك" بزيادة الاعتماد على السيارات، فامتلأت الطرق الجديدة في وقت قياسي والنتيجة كانت طرق أوسع وازدحام أكبر من السابق وهو ما يعرف بنظرية "الطلب المستحث" – "Induced Demand Theory".

في اعتقادي، سلوك الأفراد هو العامل الأكثر أهمية، فنجاح مشاريع النقل العام او فشلها يعتمد على مدى تقبل الناس لتغيير عاداتهم. وكما هو معروف، فإن سلوك الفرد متغير يصعب ضبطه، لذا يجب إدراج "هندسة السلوك" ضمن خطة المعالجة وأن نركز على نقل الافراد وليس نقل المركبات. بمعنى أن على المخطط أن يعي بأن الاستثمار في النقل العام يجب أن يكون مبنياً على الطلب ولرفع هذا الطلب يجب أن نتعامل بحذر مع أي مشاريع أخرى تؤثر سلباً على هذا الارتفاع، كالتوسع في انشاء الطرق والبنية التحتية المصاحبة لنقل المركبات. مما يستوجب خلق توازن بين مشاريع البنية التحتية والنقل العام. كما أن الاستثمار في رفع جودة النقل وتجربة التنقل سيسهم في رفع الطلب على النقل مما يعني التركيز على عوامل الجذب والطرد.

يبقى السؤال: هل يمكننا فعلاً هندسة السلوك البشري؟ الإجابة هي "نعم" عبر تبني سياسات تجعل خيار النقل العام هو الخيار الأسهل والأقل تكلفة. إن الإلمام بتفاصيل السلوك البشري وفهم مقوماته هو المفتاح الحقيقي لإيجاد حل لهذه المعضلة، فالحل لا يكمن فقط في زيادة المعروض من الطرق والقطارات، بل في كيفية إقناع ملايين البشر بترك مقاعد سياراتهم، والوثوق في "النقل العام."

 

معرف منصة اكس: @shaheralsolami