بقلم- شاهر السلمي
عند مواجهة مشكلة حضرية "كالازدحام المروري"، يميل أغلبنا الى إلقاءاللوم على التخطيط وسوء البنية التحتية. ولكن الحقيقة التي يغفل عنهاالكثيرون هي أن "ليست كل مشكلة حضرية تقف خلفها خطة سيئة"،التخطيط في جوهره عملية ديناميكية تتحكم بها متغيرات أحياناً تكون "غيرقابلة للضبط" أو يصعب ضبطها. السلوك البشري إحدى أهم تلك المتغيرات،فالتخطيط الاستشرافي المقيد بمعطيات وأدوات وقت وضع الخطة قد يكونصحيحاً ودقيقاً إلى أبعد درجة، ولكن مع هذا قد يفشل، بكل بساطة لعدمفهمه لقواعد السلوك البشري. التحدي الأكبر للمخطط هو تصميم واقعيتناسب مع "مستقبل مجهول يقوده سلوك غير منضبط "، وبما أن تصورناللمستقبل هو المحرك، فإن هامش المخاطرة يظل مرتفعاً. لذا، على المخططالعقلاني وضع "هامش خطأ متوقع" يجعل خطته مرنة لاستيعاب المفاجآتوخاصة تلك المتعلقة بالسلوك.
تعيش الرياض حالياً مرحلة انتقالية، حيث تتصدر مشاريع "النقل العام" والبنية التحتية "كالجسور والطرق السريعة" أولويات صانع القرار. ومعاقتراب اكتمالها، يبرز السؤال الجوهري هل ستنهي هذه المشاريع معضلةالازدحام فعلاً؟ هنا يجب تفعيل "هامش الخطأ"، ماذا لو لم تكن هذهالمشاريع فعالة بالقدر المطلوب؟
إن المشاريع القائمة على معادلة "العرض والطلب" تتطلب دراسة عميقةلمتغير حاسم ألا وهو "سلوك الافراد". لتوضيح خطورة تجاهل السلوك، نلقينظرة على تجربة "لوس أنجلوس"، ظن المخططون أن توسيع الطرق السريعةهو الحل، ولكن النتيجة كانت عكسية، فبمجرد زيادة "العرض" (حاراتإضافية)، تغير "السلوك" بزيادة الاعتماد على السيارات، فامتلأت الطرقالجديدة في وقت قياسي والنتيجة كانت طرق أوسع وازدحام أكبر منالسابق وهو ما يعرف بنظرية "الطلب المستحث" – "Induced Demand Theory".
في اعتقادي، سلوك الأفراد هو العامل الأكثر أهمية، فنجاح مشاريع النقلالعام او فشلها يعتمد على مدى تقبل الناس لتغيير عاداتهم. وكما هومعروف، فإن سلوك الفرد متغير يصعب ضبطه، لذا يجب إدراج "هندسةالسلوك" ضمن خطة المعالجة وأن نركز على نقل الافراد وليس نقل المركبات. بمعنى أن على المخطط أن يعي بأن الاستثمار في النقل العام يجب أنيكون مبنياً على الطلب ولرفع هذا الطلب يجب أن نتعامل بحذر مع أيمشاريع أخرى تؤثر سلباً على هذا الارتفاع، كالتوسع في انشاء الطرقوالبنية التحتية المصاحبة لنقل المركبات. مما يستوجب خلق توازن بينمشاريع البنية التحتية والنقل العام. كما أن الاستثمار في رفع جودة النقلوتجربة التنقل سيسهم في رفع الطلب على النقل مما يعني التركيز علىعوامل الجذب والطرد.
يبقى السؤال: هل يمكننا فعلاً هندسة السلوك البشري؟ الإجابة هي "نعم" عبر تبني سياسات تجعل خيار النقل العام هو الخيار الأسهل والأقل تكلفة. إن الإلمام بتفاصيل السلوك البشري وفهم مقوماته هو المفتاح الحقيقيلإيجاد حل لهذه المعضلة، فالحل لا يكمن فقط في زيادة المعروض من الطرقوالقطارات، بل في كيفية إقناع ملايين البشر بترك مقاعد سياراتهم، والوثوقفي "النقل العام."