الكاتب : النهار
التاريخ: ٢٨ مايو-٢٠٢٦       3905

بقلم- محمد بن مفلح الدرعاني 

يجسّد صاحب السمو الملكي الأمير عبدالعزيز بن سعود بن نايف آل سعود، وزير الداخلية، نموذجًا للقيادة التي تُخلّد الإنسان قبل المنصب؛ فالدول العظيمة ليست تلك التي تملك القوة وحدها، بل تلك التي تمتلك ذاكرةً وطنيةً تحفظ رجالها، وتجعل الوفاء لهم جزءًا أصيلًا من هويتها الحضارية. فالأمم قد تُبنى بالإمكانات، لكن خلودها الحقيقي يُصنع بالقيم، وبقدرتها على تحويل الوفاء إلى ثقافة دولة، والانتماء إلى عقيدة عمل، والتقدير إلى سلوكٍ مؤسسيٍ راسخ.

وفي موسم حج هذا العام 1447هـ، حيث تتجلّى صور الجاهزية الأمنية والانضباط المهني والريادة السعودية في إدارة الحشود وخدمة ضيوف الرحمن، برز موقفٌ يحمل دلالاتٍ عميقة، حين استُحضر اسم معالي الفريق سعيد القحطاني – رحمه الله – بكل وفاءٍ وتقدير، في صورةٍ جسّدت عمق المدرسة الأمنية السعودية، وأظهرت قيادةً لا تنسى رجالها مهما غيّبهم الرحيل.

لقد قدّم سمو وزير الداخلية، من خلال هذا الموقف، درسًا قياديًا وإنسانيًا عميقًا؛ فالقائد الحقيقي لا يكتفي بإدارة الحاضر وصناعة الإنجاز، بل يحفظ تاريخ مؤسسته، ويصون رموزها، ويغرس في وجدان منسوبيه يقينًا بأن الوطن الذي يُقدَّم له العطاء بإخلاص لا ينسى أبناءه الأوفياء.

إن استذكار الرجال المخلصين في أعظم مواسم الدولة ليس مشهدًا بروتوكوليًا عابرًا، بل رسالة وطنية تؤكد أن المؤسسات الأمنية الراسخة لا تُبنى بالأنظمة والإجراءات وحدها، وإنما بمنظومة القيم التي تحفظ الإنسان، وتصون التضحيات، وتُبقي الوفاء حيًّا في ذاكرة الوطن.

لقد كان معالي الفريق سعيد القحطاني – رحمه الله – واحدًا من أولئك الرجال الذين مرّوا في ميادين الشرف بصمت الكبار، وتركوا أثرًا صنعته النزاهة والانضباط والإخلاص والشرف المهني. ولذلك فإن استحضاره في هذا الموسم العظيم لم يكن وفاءً لشخصٍ فحسب، بل وفاءً لجيلٍ من رجال الأمن الذين حملوا أرواحهم على أكفّهم ليبقى الوطن آمنًا ومستقرًا.

ومن هنا تتجلّى إحدى أهم خصائص الأمن السعودي؛ فهو ليس مجرد منظومة أمنية تُدار بالكفاءة العالية، بل مدرسة وطنية وإنسانية تصنع الانتماء، وتربط رجل الأمن بوطنه عبر منظومةٍ من القيم الراسخة التي تجعل التضحية شرفًا، والإخلاص رسالة، والوفاء نهج دولة لا يتغيّر.

إن الدول التي تحفظ رجالها بعد رحيلهم لا تكرّم الماضي فقط، بل تبني المستقبل أيضًا؛ لأنها تزرع في النفوس يقينًا بأن الأوطان العظيمة لا تنسى أبناءها المخلصين، وأن ما يُقدَّم بإخلاصٍ للوطن يبقى محفوظًا في ذاكرته التاريخية والإنسانية.

وفي عالمٍ تتبدّل فيه المواقف سريعًا، تبقى المواقف الإنسانية الصادقة هي التي تصنع التاريخ؛ لأنها تعبّر عن جوهر الدول لا عن مظاهرها. وقد أثبتت المملكة العربية السعودية، بقيادتها الرشيدة، أن الوفاء فيها ليس سلوكًا موسميًا ولا مشهدًا عابرًا، بل عقيدة دولة وهوية قيادة وضمير وطن.

رحم الله معالي الفريق سعيد القحطاني رحمةً واسعة، وحفظ الله المملكة العربية السعودية وقيادتها الحكيمة ورجال أمنها الأوفياء. وسيبقى موقف صاحب السمو الملكي الأمير عبدالعزيز بن سعود بن نايف آل سعود شاهدًا على أن هذه البلاد تحفظ أمنها بالقيم كما تحفظه بالقوة، وبوفائها العميق لمن خدموها بإخلاص وشرف.