بقلم : حذامي محجوب
لم تعد أزمة إيران الحقيقية تختزل فقط في حجم الضغوط الخارجية التي تواجهها ، بل باتت تكمن أساسا في التناقض العميق داخل رؤيتها لذاتها ولمستقبلها .
فالدولة التي تسعى إلى كسر عزلتها الاقتصادية والانفتاح على العالم ، ليست هي نفسها الدولة التي ما تزال تدير نفوذها الإقليمي بمنطق المواجهة والصدام المفتوح .
والنظام الذي يدرك أن شعبه أرهقته العقوبات والتضخم والانكماش الاقتصادي ، لا يزال أسير خطاب يعتبر أي تراجع سياسي أو استراتيجي شكلاً من أشكال الانكسار التاريخي .
من هنا يبدو المشهد الإيراني مرتبكا إلى هذا الحد .
في طهران اليوم تتصارع رؤيتان لمستقبل البلاد .
الرؤية الأولى ، ترى أن الأولوية أصبحت لإنقاذ الاقتصاد ومنع الانهيار الاجتماعي الصامت الذي يتوسع عاما بعد آخر ، وأن استمرار التوترات الإقليمية بهذا النسق سيقود حتما إلى استنزاف خطير قد يصعب احتواؤه لاحقا .
أما الرؤية الثانية ، فتنظر إلى أي تهدئة طويلة أو تنازل سياسي باعتباره تهديدا مباشرا لفكرة “ إيران القوية ”، تلك التي بنت حضورها الإقليمي على النفوذ والقدرة على فرض التوازنات وامتلاك أوراق الضغط .
وبين هذين المنطقين ، تتحرك السياسة الإيرانية بتردد واضح ، تفتح بابا للتفاوض ثم تعود سريعا إلى لغة التصعيد ، ترسل إشارات انفتاح ثم تستعيد خطاب التحدي ، فتبدو أحيانا وكأنها تحاول إقناع العالم بخيار معين ، بينما تخشى في الداخل أن تقتنع هي نفسها به .
وهنا تكمن المعضلة الأعمق : فإيران لم تعد تواجه أزمة علاقة مع الخارج فقط ، بل أزمة تعريف داخلي لأولوياتها الكبرى .
هل هي دولة تبحث عن الاستقرار الاقتصادي وإعادة التموضع داخل النظام الدولي ؟ أم مشروع سياسي ـ عقائدي يعتبر أن نفوذه الإقليمي جزء لا يتجزأ من بقائه وشرعيته ؟.
هذا التردد ينعكس مباشرة على صورة القرار الإيراني .
فالعالم لا يراقب التصريحات وحدها ، بل يراقب قدرة الدولة على الالتزام بما تعلنه . وحين تتحرك السياسة في اتجاه ، بينما توحي الوقائع الميدانية باتجاه معاكس ، تتآكل الثقة تدريجياً، ليس فقط لدى الخصوم ، بل حتى لدى الوسطاء والشركاء المحتملين .
المشكلة أن إيران وصلت إلى مرحلة لم يعد فيها ممكنا الفصل بين الداخل والخارج. فكل تصعيد إقليمي ينعكس فوراً على الاقتصاد، وعلى قيمة العملة، وعلى المزاج الشعبي، وعلى قدرة الناس على الاحتمال .
ولذلك لم تعد ملفات النفوذ والردع مجرد قضايا استراتيجية بعيدة عن الحياة اليومية للإيرانيين ، بل تحولت إلى عنصر مباشر في أزماتهم المعيشية.
ورغم ذلك، لا يبدو النظام قادرا على الحسم الكامل . فهو يدرك أن التهدئة أصبحت ضرورة ، لكنه يخشى كلفتها السياسية والرمزية .
ويدرك أن المجتمع يعيش حالة إنهاك متزايدة ، لكنه يخشى أن يُفهم أي تراجع على أنه اعتراف بالضعف .
لذلك تستمر البلاد في إدارة تناقضاتها بدل حلها ، وكأنها تؤجل المواجهة مع الأسئلة الكبرى التي تفرض نفسها بإلحاح متزايد .
لهذا لا تبدو إيران مستقرة حتى وهي تتحدث عن الاستقرار ، ولا مطمئنة حتى وهي تحاول طمأنة الآخرين .
فالتناقض بين منطق الدولة ومنطق المشروع أصبح واضحا إلى درجة يصعب إخفاؤها .
الأول يسعى إلى البقاء عبر البراغماتية وتقليل الخسائر ، والثاني يخشى أن يتحول أي تنازل إلى بداية تآكل طويل للنفوذ والهيبة .
وفي لحظات التوتر الكبرى ، يصبح هذا التناقض أكثر خطورة ، لأن الأنظمة التي تعجز عن حسم اتجاهها بوضوح تكون أكثر عرضة لسوء التقدير ، وأكثر ميلاً إلى القرارات المرتبكة ، وأكثر قابلية للانتقال السريع من التهدئة إلى التصعيد.
لهذا، لم يعد السؤال الحقيقي : ماذا تريد إيران من العالم؟
بل أصبح : أيُّ إيران ستنتصر داخل إيران نفسها؟ .
إيران التي تريد النجاة الاقتصادية والانفتاح وإعادة ترتيب أولوياتها ؟ أم إيران التي ما تزال ترى في الصدام وسيلة لإثبات الحضور وحماية صورتها الإقليمية ؟.
إلى أن يُحسم هذا الصراع الداخلي ، ستبقى المنطقة بأكملها معلّقة بين احتمال التسوية واحتمال الانفجار ، وستظل طهران تبدو كدولة تحاول التقدم إلى الأمام … بينما تشدها تناقضاتها إلى الخلف .