النهار

٢٤ مايو-٢٠٢٦

الكاتب : النهار
التاريخ: ٢٤ مايو-٢٠٢٦       2695

نوف أشقر – النهار
الحج ليس مجرد رحلة تؤدى فيها المناسك، بل تجربة إيمانية وإنسانية عميقة، تُعيد تشكيل علاقة الإنسان بذاته وبالآخرين. ففي هذا المشهد العظيم الذي يجتمع فيه ملايين البشر من مختلف الجنسيات والثقافات، تظهر القيم الحقيقية للإنسان؛ صبره، ورحمته، واحترامه، وقدرته على التعامل بلطف ووعي في أصعب الظروف وأكثرها ازدحامًا.
وفي الحج، لا يُقاس جمال الإنسان بكثرة حديثه أو حضوره، بل بأخلاقه وسلوكه وتعاملاته اليومية. فالحاج الأكثر أثرًا ليس الأعلى صوتًا، بل الأكثر هدوءًا ورحمةً وتسامحًا مع من حوله.
ويُعد التعامل أثناء الزحام من أبرز صور السلوك الحضاري في الحج، حيث يحتاج الحاج إلى ضبط النفس، وتجنب التدافع ورفع الصوت، مع الحرص على إفساح الطريق لكبار السن ومراعاة المتعبين ومن يحتاجون للمساعدة. كما أن الاعتذار بلطف عند الخطأ، والصبر في المواقف المرهقة، يعكسان وعيًا أخلاقيًا ينسجم مع قدسية الشعيرة.
كما يبرز إتيكيت الحديث في الأماكن المقدسة من خلال خفض الصوت، والابتعاد عن الجدل أو النقاشات المستفزة، وعدم إشغال الآخرين بالتذمر والشكوى. فالكلمة الطيبة في  الحج  قد تصنع أثرًا عظيمًا يفوق أحيانًا كثيرًا من الكلام.
ومن أجمل صور الإنسانية في الحج، مساعدة الآخرين دون انتظار مقابل؛ كإرشاد التائه، أو تقديم الماء، أو التخفيف عن شخص متعب، أو حتى الابتسامة الصادقة. فالحج مدرسة إنسانية تعلّم الإنسان كيف يكون أكثر رحمة وتواضعًا واحترامًا لاختلاف الثقافات واللغات والطباع.
وفي ظل الانتشار الكبير لوسائل التواصل الاجتماعي، تبقى هناك أهمية لإتيكيت التصوير والتوثيق، إذ ليست كل اللحظات قابلة للنشر. فاحترام خصوصية الحجاج أثناء الدعاء أو التعب أو البكاء يعكس ذوقًا إنسانيًا راقيًا، كما أن بعض المشاعر خُلقت لتُعاش بصدق بعيدًا عن عدسات التصوير.
وتُعد المحافظة على النظافة والذوق العام جزءًا أساسيًا من احترام المكان والشعيرة، سواء من خلال المحافظة على نظافة المواقع المقدسة، أو تجنب السلوكيات التي قد تسبب الإزعاج للآخرين.
أما يوم عرفة، فهو ذروة السكينة والرحمة في الحج، حيث تتجلّى الأخلاق قبل الشعائر، ويظهر جمال الإنسان الحقيقي في هدوئه، وتسامحه، ورحمة قلبه بالآخرين رغم التعب والزحام. ففي هذا اليوم العظيم، ينشغل الحاج بالدعاء والخشوع ومراجعة النفس، بعيدًا عن الجدل أو الانشغال بالمظاهر والتوثيق المستمر.
ويظل السؤال الأهم الذي يرافق رحلة الحج: ما الخُلق الذي يحتاجه الإنسان أكثر في هذه الرحلة الإيمانية؟ الصبر أم الرحمة أم التواضع؟
وربما تكمن الإجابة في اجتماع هذه القيم جميعها، لتصنع المعنى الحقيقي للحج، وتمنح الإنسان أثرًا يبقى في روحه طويلًا بعد انتهاء المناسك.
وفي النهاية، يبقى أجمل ما يتزين به الحاج ليس لباس الإحرام فقط، بل أخلاقه التي تعكس قدسية المكان وروحانية الشعيرة.