الكاتب : النهار
التاريخ: ٢٣ مايو-٢٠٢٦       4785

بقلم - طارق محمود نواب

ثمة مشاهد في الحياة لا تحتاج إلى شرح، لأن هيبتها تسبق الكلمات، ولا تحتاج إلى وصف، لأن القلوب تدرك معناها قبل العيون. والحج واحدٌ من تلك المشاهد العظيمة التي تقف أمامها اللغة أحيانًا متأملةً أكثر من كونها متحدثة، إذ كيف يمكن للكلمات أن تستوعب صورة ملايين البشر وهم يأتون من جهات الأرض كلها، تاركين خلفهم الأوطان والأسماء والتفاصيل الصغيرة، ومتجهين إلى مكانٍ واحد، وغايةٍ واحدة، وقلبٍ واحد؟

إنه المشهد الذي يعيد الإنسان إلى فطرته الأولى، فلا كبير إلا بطاعته، ولا عظيم إلا بخشوعه، ولا فرق بين إنسانٍ وآخر إلا بما يحمله قلبه من إيمان. وهنا تذوب المسافات الطويلة، وتصبح الأرض كلها أقرب مما كانت عليه، وكأن العالم بأسره قرر أن يختصر نفسه في بقعةٍ مباركة، ليرفع نداءً واحدًا يصل من الأرض إلى السماء.

لكن خلف هذه الصورة الإيمانية المهيبة تقف صورة أخرى لا تقل عظمة عنها، صورة وطنٍ اختار أن يجعل من خدمة الإنسان رسالةً له، ومن إكرام  ضيوف الرحمن  شرفًا يحمله جيلاً بعد جيل.

فالمملكة العربية السعودية حين تستقبل الحجيج، لا تستقبل مجرد أعدادٍ قادمة من مطارات ومنافذ مختلفة، بل تستقبل قلوبًا جاءت محمّلة بالشوق، وأرواحًا قطعت مسافات طويلة أملاً في الوصول إلى لحظةٍ من الصفاء والسكينة. ولهذا فإن ما يُقدَّم للحاج لا يبدأ عند لحظة وصوله، بل يبدأ قبل ذلك بوقتٍ طويل، حين تتحرك الخطط، وتُرسم البرامج، وتُسخّر الإمكانات، وتبدأ رحلة عملٍ لا تعرف التوقف.

فهناك مدنٌ كاملة تستعد، وقطاعاتٌ تعمل، وأيدٍ تبذل، وساعات طويلة تُنفق من أجل هدفٍ واحد، بأن يؤدي الحاج مناسكه في أمنٍ وطمأنينة وراحة. إنها منظومة لا تعمل بلغة الأوامر وحدها، بل بلغة الإخلاص أيضًا، لأن من يخدم  ضيوف الرحمن  يدرك أنه يؤدي رسالة قبل أن يؤدي مهمة.

ولقد تبدلت صور الحج عبر العقود الماضية بصورة مذهلة، فالرحلات التي كانت يومًا ترتبط بالتعب والمخاوف وطول الانتظار أصبحت اليوم أكثر يسرًا وتنظيمًا، بفضل مشاريع عملاقة ورؤيةٍ تنظر إلى المستقبل بعينٍ واعية، حتى أصبح الحاج يعيش تجربة روحانية لا تعكر صفوها مشقة الطريق كما كان يحدث في الأزمنة الماضية.

والأجمل من كل ذلك أن هذه الجهود لا تُقدَّم بمنطق التفاخر أو الاستعراض، بل بروحٍ سعودية أصيلة تؤمن أن خدمة الحرمين الشريفين وضيوفهما ليست مناسبةً عابرة، بل شرفٌ ممتد عبر التاريخ.

فالحج ليس مجرد رحلة يؤدي فيها المسلم مناسكه ثم يعود، بل هو صورة إنسانية عظيمة، ووطنٌ يتحدث بلغة العطاء، ورسالةٌ تقول للعالم كله إن بعض الأعمال لا تُقاس بما يُنفق فيها، بل بما تتركه من أثرٍ في القلوب.

وحين يغادر الحاج بعد انتهاء رحلته، فإنه لا يحمل معه ذكرى الأماكن المقدسة وحدها، بل يحمل أيضًا ذكرى وطنٍ احتضنه بمحبة، واستقبله بكرم، وودّعه بدعاء.