الكاتب : النهار
التاريخ: ٢٣ مايو-٢٠٢٦       6215

بقلم ـ عبدالمحسن محمد الحارثي 

يبقى نادي  النصر  حالةً مختلفة في المشهد الرياضي السعودي؛ لأنّه لم يكن يومًا مجرّد نادٍ يبحث عن بطولة، بل كيانًا صنع شخصيته من الكبرياء والجماهيرية، والتاريخ، والوفاء للرموز.

وفي اسمه «النصر» شيءٌ من قدره؛ إذ عاد هذا العام ليُحقّق ذهب دوري روشن السعودي، بعد موسمٍ حمل شخصية البطل منذ بداياته، وكأنّ الفريق كان يكتب نهايته منذ الجولة الأولى. 

وهنا ؛ تتجلّى مقولة المدرب الأسطوري بيل شانكلي:
«بعض الناس يظنون كرة القدم مسألة حياة أو موت… إنّها أهمّ من ذلك بكثير!»
فالأندية العظيمة لا تُقاس بعدد البطولات فقط، بل بما تزرعه في الذاكرة والوجدان.

ولعلّ من أعظم ما يُحسب للنصر ؛ أنّه كان أوّل نادٍ سعودي خطف أنظار العالم بصورةٍ غير مسبوقة حين ارتدى الأسطورة كريستيانو رونالدو قميصه؛ فتحوّل الدوري السعودي إلى حديث الإعلام العالمي، وأصبحت مدرجات «العالمي» نافذةً تعبر منها الكرة السعودية إلى القارات كافة..وكأنّ مقولة رونالدو القديمة كانت تمهّد لهذا الحضور:
"لا أُطارد الأرقام… الأرقام هي التي تُطاردني".

النصر ليس فريق مرحلة، بل أحد أعمدة الأندية السعودية الأربعة، وصاحب قاعدة جماهيرية جارفة؛ امتزج فيها صفار الذهب بزرقة السماء، حتى غدت ألوانه هويةً عاطفية قبل أن تكون شعارًا رياضيًا. 

وهنا ؛ يحضر المعنى الفلسفي العميق الذي قاله الأديب الفرنسي ألبير كامو:
"كلُّ ما أعرفه عن الأخلاق والالتزام… تعلّمته من كرة القدم".
فكرة القدم ليست مستطيلًا أخضر فحسب؛ بل مدرسة ولاء، وصبر، وخسارات تُهذّب الإنسان قبل انتصاراته.

ومنذ عقود ؛ ظلّ  النصر  يُغذّي المنتخبات السعودية بالمواهب والنجوم، مؤمنًا بأنّ بناء الإنسان الرياضي أهمّ من الضجيج المؤقت. ولذلك بقي اسم ماجد عبدالله حاضرًا بوصفه أكثر من هدّاف؛ بل رمزًا رياضيًا وثقافيًا شكّل وجدان أجيال كاملة. ولعلّ عبارة الراحل عبدالرحمن بن سعود تختصر هذه الروح حين قال:
"النصر بمن حضر".
فهي جملة قصيرة ، لكنّها تحمل فلسفة الكبار؛ أن يبقى الكيان أكبر من الظروف والأسماء.

ولا يمكن الحديث عن  النصر  دون الوقوف عند الأمير عبدالرحمن بن سعود رحمه الله؛ الرجل الذي أحبّ  النصر  حتى صار جزءًا من سيرته الشخصية، حتى وصفه البعض بأنّه «الرئيس الذي كان يعيش النادي أكثر مما يُديره». 

وهنا ؛ تتجلّى حكمة الإدارة الحديثة في مقولة بيتر دراكر:
"الثقافة التنظيمية تأكل الاستراتيجية على الإفطار".
فكم من نادٍ امتلك المال وخسر الروح، بينما بقي  النصر  محافظًا على هويته ؛ لأنّ ثقافته الجماهيرية أعمق من التغيّرات العابرة.

ويتميّز  النصر  كذلك بأنّه من الأندية التي «تأكل بيمينها»؛ أي أنّه حافظ على شخصيته، وصورته، واعتماده على جماهيريته وتاريخه، دون أن يذوب وسط التحولات الرياضية المتسارعة. ولذلك يبدو قريبًا من مقولة الفيلسوف نيتشه:
"مَن يملك سببًا يعيش من أجله… يستطيع تحمّل أيّ كيف".
فالجمهور النصراوي ؛ لم يكن جمهور بطولات فقط، بل جمهور فكرة وانتماء وصبر طويل.

النصر اليوم ؛ لا يستعيد بطولةً فحسب، بل يستعيد صورته التاريخية:
فريقٌ إذا حضر ؛ حضر الذهب، وإذا نهض ؛ نهض معه جمهورٌ يرى في «العالمي» أكثر من نادٍ ، بل ذاكرةً، وكبرياء، وحكاية وطنٍ أحبّ كرة القدم حتى صارت جزءًا من وجدانه.