النهار
بقلم- محمد جبران
البُزُق
في مطلع الثمانينات، شرعنا في بناء منزل جديد إلى جوار بيتنا القديم
كنت أمشي في فراغاته يوميًا، أتذوّق رائحة طلاء جدرانه وخشب أبوابه، ويأخذني صدى الممرات وهي تردّد أصوات العمال إلى شعور غامض لا أعرفه.
ومن بين الوجوه التي تجيء وتمضي، ظلّ وجه شاب تركي لا يفارقني.
كان دهّانًا، يعمل بصمت في أغلب أوقاته، ولا يجيد العربية، غير أن عيناه كانتا ممتلئتين بشجن الغربة.
كان الشتاء حينها في أوج حضوره؛ غيوم ثقيلة لا تكاد تتبدّل، ورياح تعبر باردة من النوافذ المفتوحة، ومطر لا ينقطع.
بعد الغداء، كان يجلس في إحدى الغرف الخالية، يُخرج آلته الصغيرة ــ البُزُق ــ ويمرّر أصابعه عليها كأنه يستعيد شيئًا فقده.
كنت أقف بالقرب منه، أسمع عزفه الحزين وهو يتماهى مع صمت المكان وصقيع الهواء في تلك النهارات الشاحبة، وأنصت في خشوع.
لم أكن أفهم كلمات أغنياته، لكن أوتاره كانت تبوح بها.
مرت السنوات، وأصبح البيت الجديد قديمًا، والصغير كبيرًا، وكلما عاودني صوت تلك الأنغام، حملتني الذاكرة إلى ذلك الزمان؛ فتنفتح في روحي نافذة على أيام خلت، وتعود إليّ ملامح شتاء قديم ووجع حنين لم يغادرني أبدًا.