النهار

١٠ مايو-٢٠٢٦

الكاتب : النهار
التاريخ: ١٠ مايو-٢٠٢٦       2640

بقلم ـ عبد المحسن محمد الحارثي

ليس كل طريقٍ مزدحمٍ دليلَ حياة، ولا كل حضورٍ في ساحة الناس دليلَ حضورٍ في المعنى. 
فثمة زحامٌ يرفع الإنسان إلى القمم، وزحامٌ يستهلكه بصمتٍ حتى يكتشف متأخرًا أنه لم يخسر معركة واحدة ، بل خسر اتزانه..وكما قيل: "ليست الشجاعة في كثرة المواجهات، بل في حسن اختيارها".

الجبال، رغم قسوتها، صريحة..إنْ صعدتها عرفتَ تعبك، وإن تجاوزتها عرفتَ أنك أضفت لنفسك معنى جديدًا من الصبر والإنجاز. 
أمّا بعض البشر ، فالعلاقات معهم ليست بهذه الصراحة؛ لأنك لا تواجه فردًا فقط، بل قد تواجه خلفه دوائر خفية من الانتماءات والاصطفافات..ولهذا قيل: "معرفة الناس أصعب من تسلّق الجبال".

فالناس أجناس، تتفاوت طبائعهم كما تتفاوت تضاريس الأرض..منهم من إذا نافسته احترمك، ومنهم من إذا سبقته آذاك، ومنهم من يرى الحياة ساحة إثبات دائم لا تهدأ. 

وكما تتشكل بين الدول تحالفات وتوازنات ؛ تتشكل بين الأفراد أيضًا دوائر غير معلنة من الولاء والتأثير..وقد صدق من قال: “الناس معادن، يظهر معدنها عند الاحتكاك.”

وهنا تبدأ الحساسية الاجتماعية؛ حين تتحول العلاقات من بساطتها إلى اصطفافات، ومن ودّها إلى حسابات، ومن صدقها إلى ردود فعل..وقد جاء الإسلام ليكسر هذا الميزان كله حين قال: ﴿ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ﴾، وكما قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: "الناس صنفان: إما أخ لك في الدين أو نظير لك في الخلق".

ومع ذلك ؛ تعود العصبيات بأشكال مختلفة ، مرة باسم الانتماء، ومرة باسم الطبقة، ومرة باسم الدائرة الاجتماعية. وكأن الإنسان لم يخرج تمامًا من دائرة “نحن وهم”..وقد قيل: "أول الظلم أن ترى نفسك ميزان الحق وحدك".

ولا يقتصر هذا على بيئة دون أخرى، بل يظهر في كل المجتمعات، في العلاقات الرجالية والنسائية على حد سواء، حين تتشكل التكتلات الصغيرة، وتبدأ المضايقات الصامتة، ويُدار الاختلاف بعقلية الإقصاء لا بعقلية التعايش..ولهذا قيل: “الاختلاف إن لم يُحكم بالعدل ؛ صار خصومة مؤجلة".

ومن الحكمة ألا يخلق الإنسان موقفًا أكبر من قدرته على احتوائه؛ لأن الموقف إذا تُرك بلا معالجة، تحوّل إلى سلسلة مواقف متراكمة. وقد قيل: "أول الغضب جنون، وآخره ندم"..وقيل أيضًا: "الشر إنْ لم يُطفأ في بدايته ؛ احترق صاحبه في نهايته".

والإنسان العاقل لا يقيس شجاعته بعدد المواجهات التي يدخلها، بل بعدد المرات التي اختار فيها السلام على الصدام..فليس كل ردّ قوة، وليس كل صمت ضعفًا، بل أحيانًا يكون الصمت قمة الوعي..وكما قال أحد الحكماء: "السكوت في موضع الحكمة أبلغ من ألف كلمة".

ومن هنا ؛ تتجلى خطورة “مزاحمة الرجال”؛ فهي ليست دائمًا بطولة، بل قد تكون استنزافًا طويلًا إذا لم تُدار بعقل. فبعض البيئات إن اقتربت منها جرّتك إلى دوائر لا تنتهي من التوتر، حتى وإن لم تكن طرفًا مباشرًا..ولهذا جاء المثل: "يجيك من مطرهم رشاش".

ولذلك؛ زاحِم الجبال إن شئت، فصعودها تعبٌ واضح لكنه نقيّ، أمّا مزاحمة  الرجال  ففيها من تشابك النفوس واستنزاف الطمأنينة ما يجعل الانسحاب منها أحيانًا أرقى من الانتصار فيها..وكما قيل: "ليس كل انتصارٍ يُفرح، وبعض الهزائم تُنقذ صاحبها".

فالحكمة ليست في أن تكون حاضرًا في كل ساحة، بل في أن تختار الساحة التي تبقيك كما أنت… وربما أفضل مما أنت !!