الكاتب : النهار
التاريخ: ٠٥ مايو-٢٠٢٦       3850

بقلم - علي بن عيضة المالكي
يستنزف الانشغال بتحليل سلوكيات الآخرين طاقة الإنسان دون أن يضيف إلى مسيرته قيمة حقيقية. تتكدس الأسئلة في الذهن، وتتشعب التفسيرات، ويتحول الوقت إلى مساحة مراقبة مستمرة لكل تصرف وكلمة. في هذه الحالة يفقد الإنسان توازنه الداخلي، وتتراجع قدرته على التركيز في مساره الخاص، فيعيش على هامش حياة غيره بدل أن يصنع عمقه الذاتي.
إن التحرر من هذه الدائرة يبدأ بإدراك بسيط: ما يدور في داخل الآخرين لا يمكن الوصول إليه على وجه الدقة، وما يظهر من سلوكيات لا يمثل الصورة الكاملة. هذا الوعي يخفف اندفاع العقل نحو التحليل المستمر، ويفتح الباب نحو توجيه الانتباه إلى ما يقع تحت دائرة التأثير الحقيقي، وهو الذات.
وفي الوقت الذي يشغل الإنسان نفسه فإنه بذلك يحدد أهدافًا واضحة تعكس قيمه وتطلعاته. الهدف من هذا الإشغال يمنح الفكر اتجاهًا، ويحول الذهن من التشتت إلى التركيز.
أيضا عندما ينخرط الفرد في مشروع معرفي، أو مهني، أو حتى مهارة جديدة، تتراجع مساحة التفكير في الآخرين، لأن العقل يجد ما يستحق الانغماس فيه. القراءة العميقة، التعلم المنهجي، تطوير المهارات، كل ذلك يصنع بيئة داخلية غنية تستقطب الانتباه وتعيد تشكيل الأولويات.
كما أن تنظيم الوقت يمثل حجر أساس في هذه الرحلة. فحين يضع الإنسان جدولًا يوميًا يوزع فيه طاقته بين العمل، والتطوير، والراحة، يصبح لكل لحظة معنى، وتقل فرص الشرود الذهني نحو تتبع الآخرين. الفراغ غير المنظم قاتل صامت يفتح المجال لتحليل لا ينتهي، أما الوقت المنضبط فيغلق هذه المساحات تدريجيًا.
أما الاهتمام بالجسد فإنه يؤدي دورًا مهمًا في ضبط التفكير، نظرًا لأن النشاط البدني، مهما كان بسيطًا، يعمل على تحرير الذهن من قيود التراكمات ويعيد له صفاءه. مثلا المشي، التمارين الخفيفة، أو أي نشاط حركي يعزز الحضور اللحظي ويمنح العقل استراحة من دوامة التفسير المستمر.
ومن الجوانب المهمة أيضًا إعادة صياغة الأسئلة الداخلية. بدلاً من الانشغال بدوافع الآخرين، يتحول التفكير نحو تساؤلات بناءة مثل: ما الذي أحتاج تطويره اليوم؟ كيف أرتقي بمستواي؟ ما الخطوة القادمة في طريقي؟ هذا التحول يعيد الإنسان إلى مركز حياته، ويمنحه شعورًا بالسيطرة والاتزان.
إن العلاقات الإنسانية تحتاج إلى قدر من الفهم، وهذا أمر طبيعي، غير أن التوازن يكمن في عدم تحويل هذا الفهم إلى هوس تحليلي. يكفي التعامل مع الآخرين وفق ما يظهر من سلوك واضح، مع ترك مساحات لا تحتاج إلى تفسير دائم. هذا النهج يريح الذهن ويحفظ الطاقة لما هو أجدى.
في المقابل يعيش الإنسان في عالم تمتلئ تفاصيله بحضور الآخرين، آراؤهم، تصرفاتهم، وتفسيرات لا تنتهي لما يفعلون. في خضم هذا الزحام الذهني، يفقد كثيرون أعظم ما يملكون: القدرة على توجيه تركيزهم نحو ذواتهم. وهنا تكمن الحقيقة الهادئة التي يغفل عنها الكثير، أن الثروة الحقيقية لا تقاس بما تملك، إنما بقدرتك على إدارة انتباهك، وصون طاقتك، وبناء نفسك بوعي ثابت.
عندما يوجه الإنسان تركيزه إلى ذاته، يبدأ في اكتشاف مساحات لم يكن يلتفت إليها من قبل. يرى نقاط قوته بوضوح، ويواجه جوانب القصور بصدق، فينشأ لديه وعي متزن يقوده نحو التطور. هذا التركيز لا يعني الانعزال عن العالم، إنما يعني أن يكون للإنسان مركز ثابت يعود إليه، فلا يتشتت مع كل موقف، ولا ينجر خلف كل تصرف يصدر من الآخرين.
إن الانشغال بتحليل سلوكيات الآخرين يمنح شعورًا مؤقتًا بالفهم، غير أنه يسحب من رصيد الطاقة دون أن يقدم عائدًا حقيقيًا. في المقابل، حين ينشغل الإنسان بنفسه، يتحول كل جهد يبذله إلى استثمار مباشر في نموه. يتعلم مهارة جديدة، يطور فكره، يعزز حضوره، ويصنع لنفسه مسارًا يليق به. ومع الوقت، تتراكم هذه الجهود لتشكل شخصية أكثر نضجًا وثقة واتزانًا.
تركيزك! نعم تركيزك على نفسك يفك عنك مسألة المقارنات التي تستهلك الروح. فبدل أن تقيس خطواتك بخطوات الآخرين، تبدأ في بناء معيارك الخاص، وتسير وفق إيقاعك الداخلي.
 هذا يمنحك سلامًا عميقًا، لأنك لم تعد رهين نظرة خارجية، إنما أصبحت صانع تجربتك الخاصة.
ومن مظاهر هذه الثروة أن يصبح وقتك ذا قيمة. كل ساعة توجهها نحو التعلم أو العمل أو التأمل تضيف لبنة في بناءك الداخلي. وكل لحظة وعي تعيشها تقربك من فهم أعمق لنفسك، وتمنحك قدرة أعلى على اتخاذ قرارات أكثر نضجًا. هكذا يتحول الزمن من مجرد مرور إلى رصيد متنامٍ من الخبرة والوعي.
الاهتمام بالنفس لا يقتصر على الفكر فحسب، إنما يشمل الجسد والروح أيضًا. حين تعتني بصحتك، وتمنح نفسك لحظات هدوء، وتوازن بين الجهد والراحة، فإنك تعزز قدرتك على الاستمرار. هذا الاتزان يجعل حضورك أكثر قوة، وتأثيرك أكثر عمقًا في كل ما تقوم به.
في نهاية المطاف، يدرك الإنسان أن أعظم تحول في حياته لم يبدأ من تغيير الآخرين، إنما من قرار داخلي صادق بإعادة توجيه تركيزه نحو ذاته. هناك، في تلك المساحة الهادئة، تنمو الثقة، ويتشكل الوعي، وتُبنى الثروة التي لا تنضب. ثروة الإنسان في نفسه، في فكره، في وعيه، وفي قدرته على أن يكون أفضل نسخة من ذاته كل يوم.
نحن أمام حالة جديرة بالاهتمام والمتابعة الدائمة فحين يمتلئ الداخل بالمعنى، يقل الانشغال بالخارج. وعندما ينشغل الإنسان ببناء ذاته، يكتشف أن حياته أوسع من أن تُهدر في مراقبة الآخرين، وأن طاقته أثمن من أن تُستهلك في تفسير ما لا يغير مساره. هنا يبدأ التحول الحقيقي، حيث يصبح التركيز على النمو الشخصي طريقًا نحو حياة أكثر عمقًا واتزانًا.