الكاتب : النهار
التاريخ: ٢٦ ابريل-٢٠٢٦       4400

بقلم -حذامي محجوب 

لم يكن القرار الذي اتخذته جامعة الملك سعود بإلغاء عدد من التخصصات والبرامج في كلياتها مثل اللغة العربية، والتاريخ، والجغرافيا، وعلم الاجتماع مجرد إجراء أكاديمي عابر، بل فجّر نقاشا واسعا تجاوز أسوار الجامعة ليصل إلى عمق المشهد الثقافي في المملكة العربية السعودية.

ذلك أن هذه التخصصات لا تُختزل في كونها مسارات دراسية، بل تمثل ذاكرة المجتمع، ووعيه، وأدوات فهمه لذاته وتحولاته.

سرعان ما تحوّل القرار إلى قضية رأي عام ثقافي، حيث هبّ المثقفون والأكاديميون والإعلاميون في موقف جماعي لافت، عبّر عن حسّ عالٍ بالمسؤولية تجاه المعرفة والهوية.

لم يكن الاعتراض انفعاليا أو رافضاً للتطوير، بل كان دفاعا عقلانيا عن ضرورة التوازن بين متطلبات التحديث والحفاظ على العلوم الإنسانية بوصفها ركيزة لا غنى عنها في أي مشروع نهضوي. 
لقد عكست لغة النقاش عمق التحول الذي تشهده المملكة، حيث باتت الكلمة الرصينة والحجة العلمية أدوات تأثير حقيقية.

لكن اللحظة الأهم لم تكن في صدور القرار، بل في ما تلاه،إذ جاء التراجع عنه ليؤكد أن المؤسسات القوية لا تتردد في مراجعة خياراتها حين يتضح أن هناك صوتًا معرفيًا يستحق الإصغاء.

هذا التراجع لم يكن هزيمة، بل كان انتصارًا لمرونة القرار، ودليلًا على أن المسؤولين في المملكة باتوا أكثر قربًا من نبض المجتمع، وأكثر استعدادًا للتفاعل مع آراء نخبته الفكرية.

في هذا السياق، تبدو الحادثة كاشفة عن ملامح مرحلة جديدة، مرحلة لا يُقصى فيها المثقف، بل يُستدعى ضمنيًا كشريك في صياغة التوجهات الكبرى.

وهو ما يعكس نضجًا في العلاقة بين الدولة والمجتمع، قائمًا على التفاعل لا الإملاء، وعلى الحوار لا القطيعة.

إن ما حدث مع جامعة الملك سعود لا يمكن قراءته كواقعة معزولة، بل كجزء من حراك أوسع تعيشه المملكة، حيث تتشكل معادلة دقيقة بين الإصلاح والتوازن، بين التحديث والحفاظ على الجذور.

معادلة تؤكد أن التنمية لا تُقاس فقط بالأرقام، بل أيضًا بمدى احترامها للعقل، واحتضانها للتنوع المعرفي.

هكذا، يصبح “الرجوع عن القرار” فعل قوة لا ضعف، وخيارًا يعكس ثقة في الذات المؤسسية، وإيمانًا بأن الاستماع ليس تنازلًا، بل شرطًا من شروط الحكم الرشيد.