الكاتب :
التاريخ: ٢١ ابريل-٢٠٢٦       3135

وائل العتيبي - جدة - النهار
في مشهدٍ يثقل فيه الصمت أكثر من الكلمات، غادرت الفنانة الكويتية  حياة الفهد  عالمنا اليوم الثلاثاء عن عمر ناهز 78 عامًا، بعد رحلة صحية صعبة شهدت تدهورًا متتابعًا خلال الأشهر الماضية انتهى بدخولها العناية المركزة، لتُسدل بذلك صفحة جسدٍ حمل لعقود طويلة نبض الدراما الخليجية، فيما تبقى أعمالها مشرعة على ذاكرة الفن العربي.

وأعلنت الصفحة الرسمية لـ«مؤسسة الفهد للإنتاج الفني» نبأ الرحيل في بيانٍ وداعي جاء فيه: «بقلوب مؤمنة بقضاء الله وقدره ننعى وفاة الفنانة القديرة حياة الفهد، التي وافتها المنية بعد معاناة مع المرض، إثر مسيرة حافلة بالعطاء الفني والإنساني»، واصفةً إياها بأنها إحدى أيقونات الدراما الخليجية التي ستظل حاضرة في الوجدان بما تركته من إرث فني ممتد عبر الأجيال.

ولدت  حياة الفهد  في 15 أبريل 1948 في الكويت، وبدأت خطواتها الأولى في عالم الفن خلال سبعينيات القرن الماضي، لتتحول سريعًا إلى أحد أبرز الوجوه المؤسسة للدراما الخليجية الحديثة، حيث شاركت في عشرات الأعمال التلفزيونية التي شكّلت علامات فارقة في تطور المشهد الدرامي في المنطقة.

لم تكن الفهد مجرد ممثلة تؤدي أدوارها، بل كانت حالة إبداعية متكاملة؛ كتبت القصة، ولامست الشعر، وقدّمت في أواخر السبعينيات ديوانها “عتاب”، كما ساهمت في صياغة نصوص وسيناريوهات درامية أضافت بعدًا مختلفًا للمحتوى المحلي، وجعلتها أقرب إلى كاتبة الوجدان الاجتماعي بقدر ما هي ممثلة الشاشة.

في لحظة الغياب، يبدو المشهد الفني الخليجي وكأنه يعيد ترتيب ذاكرته على وقع صمت ثقيل، كأن الستار قد أُسدل على واحدة من أطول الحكايات حضورًا وتأثيرًا في تاريخ الدراما العربية، غير أن هذا الستار ذاته لم يُغلق تمامًا، بل ظل مفتوحًا على كل مشهدٍ صنعته، وكل شخصية منحتها روحها.

قدّمت  حياة الفهد  شخصيات لم تكن مجرد أدوار مكتوبة، بل صورًا اجتماعية مكثفة: الأم القلقة، المرأة الصلبة، والإنسانة التي تقف على تخوم التحول بين تقاليد المجتمع وأسئلته الجديدة. ومن خلال هذا العمق، لم تكن تروي الحكايات فحسب، بل كانت تكتب—بأدائها—سردًا موازيًا لتاريخ اجتماعي وثقافي ممتد.

وفي قراءة إرثها اليوم، لا تُستعاد أعمالها بوصفها أرشيفًا فنيًا فقط، بل بوصفها ذاكرة شعورية لزمن كامل، ارتبطت فيه صورة المرأة الخليجية بملامح أدائها، حتى استحقت عن جدارة لقب “سيدة الشاشة الخليجية”، و”أم الدراما الكويتية”، كخلاصة لمسيرة صنعت ملامح مرحلة بأكملها.

تجاوز حضورها حدود الكويت والخليج، ليصل إلى الجمهور العربي الأوسع، حيث ارتبط اسمها بمرحلة مفصلية من تطور الدراما التلفزيونية، وتحولها من سرد محلي إلى خطاب إنساني أكثر اتساعًا وتأثيرًا.

وفي النهاية، لم تكن  حياة الفهد  مجرد اسمٍ على شارة عمل، بل كانت مدرسة أداء، وصوتًا نسائيًا تشكّل عبر الزمن حتى أصبح جزءًا من هوية الدراما الخليجية نفسها. تغيب عن الحضور الجسدي، لكنها تبقى—كما تفعل الأسماء الكبرى—مقيمـة في ذاكرة الشاشة، حيث لا يغيب الفن حين يصبح أثرًا.