الكاتب : النهار
التاريخ: ٢٦ مارس-٢٠٢٦       31570

بقلم ـ د ـ  طارق بن حزام 

الموهبة، والإبداع، والحسّ الفني… كلّها معانٍ لا تُرى بالعين، لكنها في حقيقتها أشبه بالبذور الحيّة؛ تولد صغيرة، وتنمو بالرعاية، وتكبر بالاهتمام. فإذا تعهّدها صاحبها بالعناية ازدهرت وأثمرت، وإن أهملها ذبلت وضعفت، وإن حاربها خبت جذوتها وماتت في صمتٍ داخل صدره.

وكم من موهبةٍ واعدةٍ انطفأ نورها لأنها لم تجد من يرعاها، وكم من مبدعٍ خبا حسّه المرهف تحت وطأة النقد الجارح أو الإهمال القاتل. غير أن السؤال الأكثر إيلاماً: ماذا عن المبدع الذي يقتل إبداعه بيديه؟ ماذا عمّن يحاصر الفكرة الجميلة في داخله، ويؤجلها أو يخنقها أو يشكّك في قيمتها حتى تموت قبل أن ترى النور؟

الحقيقة أن للإبداع أعداءً خفيين، يتسللون إلى نفس صاحبه، فيضعف وهجه شيئاً فشيئاً حتى يخبو. ومن أبرز هذه الأساليب التي تصيب الإبداع في مقتل ما يأتي:

أولاً: الشعور بالظلم
هناك فرق كبير بين الظلم الحقيقي والشعور بالظلم. فالظلم أن يُمنع الإنسان من حقه أو يُتَّهم بباطل، أما الشعور بالظلم فقد ينشأ دون وجود ظلمٍ حقيقي. فكثير من الناس يظنون – خطأً – أن العالم يتآمر عليهم ليحرمهم حقهم، فيستسلمون لفكرة أنهم يستحقون لكنهم مظلومون. وحينها يتحول جهدهم من تنمية مواهبهم إلى تغذية شعورهم بالاضطهاد وإلقاء اللوم على الآخرين.

ثانياً: الاستسلام أمام العوائق
لم يكن طريق النجاح يوماً مفروشاً بالورود. فكل قصة نجاح عظيمة تقف خلفها مسيرة طويلة من العثرات والصعوبات. الذين وصلوا إلى القمم لم يكونوا أكثر حظاً من غيرهم، لكنهم كانوا أكثر صبراً وإصراراً على مواصلة الطريق.

ثالثاً: تجنب الاستشارة
قيل في الحكمة: ما خاب من استشار. فالمبدع الذي لا يسمع إلا صوته، ولا يقبل رأياً غير رأيه، يحرم نفسه من خبرات الآخرين ومن فرص تصحيح المسار في اللحظة المناسبة.

رابعاً: المقارنة السلبية
حين يقارن المبتدئ نفسه بمن سبقوه بسنوات طويلة من الخبرة، فإنه يظلم نفسه قبل أن يظلم غيره. فالمقارنة الصحيحة ليست لإحباط النفس، بل لاتخاذ الناجحين قدوةً تُلهم وتدفع نحو التقدم.

خامساً: الغرور
الغرور آفة النجاح. ففي اللحظة التي يظن فيها المبدع أنه بلغ الغاية، يكون قد بدأ في الحقيقة أول خطوات التراجع؛ لأن الإبداع رحلة لا تقف عند محطة.

سادساً: استعجال النتائج
كما أن الطعام يحتاج إلى وقتٍ لينضج، فإن الأفكار تحتاج إلى زمنٍ لتكتمل وتستوي في العقل. والاستعجال في طرح العمل قبل نضجه يقتل جماله ويضعف أثره؛ وقد قيل: من استعجل الشيء قبل أوانه عوقب بحرمانه.

سابعاً: التكرار
الإبداع قائم على التجديد. أما التكرار الممل فهو أول طريق فقدان التأثير. فما يدهش الناس في المرة الأولى قد لا يثير انتباههم إذا تكرر بلا روح جديدة.

ثامناً: التقمص
هناك فرق بين الاقتداء بالمبدعين والتقمص الكامل لأساليبهم. فالمقتدي يستلهم ويبتكر طريقه الخاص، أما المقلد فيبقى نسخة باهتة من غيره، لا روح فيها ولا بصمة.

تاسعاً: التسويف
كم من فكرة جميلة ماتت لأنها انتظرت “الوقت المثالي”. والحقيقة أن الوقت المثالي لا يأتي غالباً، بل يصنعه الإنسان حين يبدأ.

عاشراً: المبالغة في توقع الدعم والتقدير
بعض المبدعين يتوقع أن ينال الشهرة والجوائز منذ أول عمل، أو أن تتكفل المؤسسات بدعمه فور ظهوره. غير أن سنن الحياة تقوم على العطاء أولاً، ثم يأتي الحصاد بعد ذلك.

وفي النهاية، يبقى الإبداع بذرةً دقيقة في أعماق النفس؛ إن سُقيت بالعمل والصبر نمت وأزهرت، وإن خُنقت بالأوهام والتردد ذبلت وماتت.
ولعل أخطر ما يهدد الموهبة ليس قلة الفرص، بل أن يكون صاحبها هو أول من يقف في طريقها.