الكاتب : النهار
التاريخ: ٢١ مارس-٢٠٢٦       11330

بقلم  - حذامي محجوب

   في لحظة إقليمية تختلط فيها أصوات القلق بضجيج التوترات العسكرية والسياسية ، يبرز الاقتصاد السعودي كاستثناء لافت ، لا بوصفه مجرد اقتصاد صامد ، بل كنموذج يفرض نفسه بالأرقام لا بالشعارات . 
  هنا، لا نتحدث عن رواية رسمية، بل عن ثقة تُترجمها مؤسسات التصنيف المالي العالمية بلغة دقيقة لا تعرف المجاملة .

أحدث هذه الشهادات جاءت من مؤسسة ستاندر د اند بورز ، التي ثبّتت التصنيف السيادي للمملكة عند مستوى A+ مع نظرة مستقبلية مستقرة في اذار  2026. أهمية هذا القرار لا تكمن فقط في درجته المرتفعة ، بل في توقيته الحرج ، إذ صدر في قلب مشهد إقليمي مضطرب، حيث تتعرض سلاسل الإمداد وطرق الطاقة لاختبارات قاسية.
    الأرقام التي يستند إليها هذا التقييم ليست عابرة . فالتوقعات تشير إلى نمو يقارب 4.4% خلال 2026، مع متوسط يبلغ نحو 3.3% بين 2027 و  2029 . 
  وهي نسب لا تعكس مجرد تعاف ، بل قدرة حقيقية على الاستمرار في التوسع رغم رياح الجغرافيا السياسية العاتية وتقلبات الأسواق العالمية .
    غير أن التحول الأعمق يكمن في بنية الاقتصاد نفسه . فمساهمة القطاع غير النفطي ارتفعت إلى 71% من الناتج المحلي بعد أن كانت في حدود 63% سنة 2018 . 
   هذا التحول ليس رقما تقنيا ، بل إعلان صريح بأن مشروع تنويع الاقتصاد لم يعد وعدا  مؤجلا ، بل واقعا  يتشكل بثبات على الأرض .
    وفي موازاة ذلك، تحافظ المملكة على مستوى قوي من الأصول الصافية يُقدّر بنحو 42% من الناتج المحلي الإجمالي خلال السنوات المقبلة . 
   هذا الهامش المالي يمنحها قدرة مزدوجة : تمويل مشاريعها الكبرى بثقة ، والاستمرار في استخدام أدوات الدين بمرونة دون الإخلال بالتوازنات المالية .
    أما في قطاع الطاقة ، فتبرز قوة السعودية في بُعدها الاستراتيجي لا الإنتاجي فقط .  فشبكة نقل النفط المتطورة، وعلى رأسها خط الأنابيب الممتد من شرق البلاد إلى البحر الأحمر بطول يقارب 1200 كيلومتر، تمنح المملكة قدرة نادرة على الحفاظ على تدفق صادراتها حتى في سيناريوهات التعطل الإقليمي . 
    هذه المرونة اللوجستية أصبحت جزءا  أساسياً من معادلة الثقة الدولية .
     ولم تأتِ هذه التقديرات من جهة واحدة. فقد منحت مؤسسة فيتش  المملكة تصنيف A+ مع نظرة مستقرة في يناير 2026  ، فيما أكدت مؤسسة موديز  تصنيفها عند Aa3 في ديسمبر 2025 . 
  هذا التوافق بين كبرى وكالات التصنيف ليس تفصيلا تقنيا ، بل مؤشر على إجماع دولي متزايد حول متانة الاقتصاد السعودي .
    لكن ما يميز التجربة السعودية أن الأرقام لا تتحرك في فراغ . 
   ففي خضم الأزمة الإقليمية الأخيرة، لم تكتفِ المملكة بحماية اقتصادها، بل تحولت إلى فاعل يخفف الاختناقات، عبر فتح أجوائها أمام عدد من الخطوط الجوية وتيسير استخدام موانئها ومساراتها البرية . 
  هنا، يتجاوز الدور حدود “ الصمود ” إلى إدارة الأزمات بفعالية.
    في المحصلة، تكشف هذه المؤشرات عن حقيقة أعمق  : الاقتصاد السعودي لم يعد رهينة النفط وحده، بل أصبح منظومة متكاملة من التوازنات المالية والخيارات الاستراتيجية . وفي منطقة تتبدل معادلاتها بسرعة ، لا يبدو أن من يملك الثقة فقط هو من ينجو … بل من يعرف كيف يصنعها ويحافظ عليها .