الكاتب : النهار
التاريخ: ٢٤ فبراير-٢٠٢٦       18260

بقلم ـ عيسى المزمومي

لم يكن اختيار الأمير مانع بن ربيعة المريدي عام 850هـ لضفتي وادي حنيفة فعل استيطانٍ عابر، بل كان قرارًا يشي بوعيٍ مبكر بفلسفة المكان ودوره في صناعة المصير.

 فقد بدا الوادي، بما يحمله من خصوبة ومياه وحركة حياة لا تهدأ، وكأنه يهمس للتاريخ بأن هنا ستُكتب بداية مختلفة، وأن هذه الأرض ليست مجرد جغرافيا، بل مشروع حضارة مؤجل! 

لم يكن الأمير مانع يعلم – وربما لا يُطلب من المؤسسين أن يعلموا – أن تلك اللبنة الأولى ستغدو بعد قرون مرجعية وجدانية لأمة كاملة، وأن هذا الاختيار الهادئ سيصبح شاهدًا على حقيقة كبرى: الحضارات لا تولد صدفة، بل حين يلتقي الإنسان بالمكان المناسب، وتتصالح الإرادة مع الوعي.

ثم جاء الإمام محمد بن سعود عام 1139هـ، ليحوّل هذا التكوين العمراني إلى فكرة دولة.

 لم يكن مشروعه صاخبًا ولا مستعجلاً، بل كان عميقًا في جذوره، هادئًا في وسائله، واضحًا في غاياته. فقد أدرك، بحكمة المؤسسين الكبار، أن الدولة لا تُبنى بالسيف أولًا، ولا تُحرس بالجدران، بل تُؤسَّس بالإنسان والعقل قبل كل شيء.

وفي زمنٍ كان الخوف عنوانه الأبرز، والفرقة قدره اليومي، نجح الإمام محمد بن سعود في بناء كيانٍ وُصف لاحقًا بأنه “دولة استثنائية”، لأنها جعلت العلم أساس السلطان، والاستقرار شرط التوسع، والعدل بوابة الشرعية. 

ومن هنا تحولت الدرعية من “مدينة دولة” إلى “دولة أمة”، لا بقوة البطش، بل بقوة الفكرة.

فالعلم في الدرعية لم يكن ترفًا ثقافيًا، بل ضرورة وجودية. والحضارة التي لا تُبنى على المعرفة، مهما امتلكت من السلاح، تظل هشة أمام الزمن! 

وحين نقترب من عمارة الدرعية، ولا سيما حي الطريف، لا نقرأ جدرانًا صامتة، بل نصًا فلسفيًا مكتوبًا بالطين. 

فالمادة هنا ليست اختيار فقر، بل تعبير وعي؛ انسجام مع الطبيعة، واكتفاء بلا استعراض، وقوة بلا ضجيج.

هناك يرتفع قصر سلوى أكثر من عشرين مترًا، لا ليُفاخر، بل ليُعلن أن الدولة الناشئة لا تكتفي بالامتداد الأفقي، بل تطمح إلى الرسوخ والعلو معًا. 

ومع ذلك، لم تكن العمارة صراخًا في الفراغ، بل حوارًا صامتًا بين الإنسان وبيئته. فالزخارف المثلثة “الحقاف” لم تُخلق للزينة، بل لحماية الجدران من المطر، في اقترانٍ بديع بين الجمال والوظيفة، وبين الروح والعقل.

أما “اللهوج” – تلك الفتحات الذكية في الجدران – فهي درس معماري في فلسفة التوازن؛ فالبيت الذي لا يتنفس يختنق أهله. 

وهكذا تنفست الدرعية الضوء والهواء دون أن تفرّط في خصوصيتها، مؤكدة أن الانفتاح الواعي هو سر الحياة، لا الانغلاق ولا الانكشاف المطلق! 

ويتعمق هذا المعنى في التقسيم الدقيق للفضاءات: غرف للأسرة، وأخرى للضيوف، ومداخل تحفظ الخصوصية، ونوافذ تعرف اتجاه الريح والشمس.

 إنها عمارة تفهم الإنسان ككائنٍ معقد، يحتاج إلى الخلوة كما يحتاج إلى الاجتماع، وإلى السكينة بقدر حاجته إلى التواصل.

اجتماعيًا، لم تكن الدرعية مدينة منغلقة، رغم قسوة محيطها آنذاك. بل كانت قبلة للناس؛ يأتيها التجار وطلاب العلم والباحثون عن الأمان.

 وكان “سوق الموسم” فضاءً حيًا لتلاقي الثقافات، لا مجرد مكان للبيع والشراء. 

فيه تخصصٌ وتنظيم، وفيه وعيٌ اقتصادي سبق زمنه.

أما “حمى الإبل”، حيث تُجمع الإبل التائهة وتُحفظ، فهو تعبير أخلاقي عميق عن مفهوم الدولة الراعية. فالمفقود لا يُهمل، بل يُحتوى، وإن غاب صاحبه بقي نفعه للجماعة. هكذا كانت الدولة تفهم دورها: أن تحمي حتى ما يضيع.

واليوم، حين يسير الزائر في أحياء الدرعية، ويمر بين أطلالها التي سجلتها اليونسكو ضمن التراث الإنساني، فإنه لا يتجول بين آثار جامدة، بل يعبر ذاكرة وطن. فهذه الجدران ليست بقايا زمنٍ مضى، بل شواهد على أن هذه الأرض كانت – ولا تزال – قادرة على إنتاج الحضارة.

لقد كانت الدرعية عاصمة دولة، لكنها اليوم عاصمة وجدان أمة. وفي ذلك درس خالد: الأوطان لا تُبنى بالحجر وحده، بل بالعقول الواعية، والقلوب الواثقة، والرؤية التي تعرف من أين تبدأ، وإلى أين تمضي! 

وفي الثاني والعشرين من فبراير من كل عام، يحتفي السعوديون بـ“يوم التأسيس”، بعد أمرٍ ملكي صدر عام 2022م بتوقيع خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز، تأكيدًا على الاعتزاز بالجذور العميقة للدولة السعودية، وبفكرة التأسيس التي قامت على القرآن الكريم وسنة رسوله ﷺ، وعلى الوحدة بعد الفرقة، والأمن بعد الخوف. 

وهكذا تبقى الدرعية ليست مجرد صفحة في كتاب التاريخ، بل فكرة متجددة، تؤكد أن التأسيس الحقيقي للدول يبدأ من الإنسان، ويستمر بالعلم، ويخلده الوعي… ويصنعه الإعجاز!