بقلم أ. حذامي محجوب
ليست كل التصريحات تمرّ كخبر عابر، وبعضها يكشف ما هو أخطر من زلّة لسان: يكشف ذهنية كاملة.
وعندما يتحدث سفير دولة كبرى عن “حق إسرائيل في السيطرة على الشرق الأوسط”، فإن الأمر لا يُختزل في رأي شخصي، بل يلامس تصورا سياسيا يعيد إلى الأذهان منطق الهيمنة الذي ظنّ العالم أنه تجاوزه.
من هنا جاء ردّ وزارة الخارجية السعودية مختلفا في نبرته ودلالاته.
لم يكن بيانا تقنيا باردا، ولا مجاملة دبلوماسية محسوبة الكلمات، بل موقفا صريحا يطالب بتوضيح رسمي من وزارة الخارجية الأمريكية بشأن تصريح يمسّ جوهر السيادة الإقليمية.
السعودية لم تدافع عن فكرة عاطفية، بل عن مبدأ قانوني وأخلاقي واضح: لا شرعية لأي خطاب يمنح دولة حق تقرير مصير منطقة بأكملها.
فالشرق الأوسط ليس مساحة نفوذ تنتظر من يرسم حدودها، ولا ساحة اختبار لمشاريع التفوق، بل فضاء دول ذات سيادة، وشعوب لها إرادة وتاريخ وحقوق لا تُختزل في معادلات القوة.
قوة الموقف السعودي تكمن في أنه جاء بلا تردد.
في لحظة إقليمية معقدة، حيث تتشابك التحالفات وتُحسب الكلمات بميزان المصالح، اختارت الرياض أن تضع معياراً واضحاً: الصداقة لا تعني الصمت، والتحالف لا يعني القبول بخطاب يمسّ كرامة المنطقة.
هذا الرد يعكس تحوّلاً أعمق في مقاربة المملكة لدورها الإقليمي. لم تعد تكتفي بإدارة التوازنات، بل باتت تُعرّف قواعدها.
القيادة هنا لا تُقاس بحجم النفوذ فقط، بل بالقدرة على تثبيت الخطوط الحمراء عندما تُختبر المبادئ.
والسعودية، في هذا السياق، لم تتحدث باسمها وحدها، بل باسم فكرة الدولة الوطنية في مواجهة أي نزعة وصاية جديدة.
التصريح الذي أثار الجدل لم يكن خطيراً لأنه صادم فحسب، بل لأنه يُطبع مع تصور يعتبر المنطقة مجالاً طبيعياً للهيمنة.
وهنا تكمن أهمية الرد السعودي: رفض التطبيع مع فكرة السيطرة ذاتها.
فقبول مثل هذا الخطاب، حتى بالصمت، يعني فتح الباب أمام إعادة تشكيل الخريطة السياسية وفق منطق القوة المجردة، لا وفق إرادة الشعوب.
إن مطالبة الرياض بتوضيح رسمي ليست إجراءً بروتوكولياً، بل رسالة مزدوجة: إلى الخارج بأن المنطقة ليست بلا أصحاب، وإلى الداخل العربي بأن هناك من لا يزال يرفع سقف الموقف حين تنخفض النبرات.
في عالم تتسع فيه مساحات الرمادي، جاء البيان السعودي بلون واضح لا يقبل التأويل.
الشرق الأوسط ليس فراغا استراتيجياً، ولا صفحة بيضاء تُكتب عليها مشاريع الآخرين.
هو موطن حضارات، ومركز ثقل ديني وسياسي، ومجال حيوي لشعوب دفعت أثماناً باهظة كي تحافظ على سيادتها.
وأي حديث عن “حق السيطرة” يتناقض مع أبسط قواعد النظام الدولي الحديث.
بهذا الموقف، أعادت السعودية التأكيد على أن الاستقرار لا يُبنى فوق منطق التفوق، بل فوق احترام التوازن والسيادة المتبادلة.
لقد رسمت خطاً سياسياً واضحاً: لا أحد يملك تفويضاً لإدارة مستقبل المنطقة إلا دولها وشعوبها.
وهكذا تحوّل ردّ الخارجية السعودية من موقف دفاعي إلى لحظة تثبيت لمعادلة سياسية جديدة: المنطقة تُدار بإرادة أبنائها، لا بتصريحات تمنح حقاً لا يملكه أحد.