الكاتب : النهار
التاريخ: ٢٢ فبراير-٢٠٢٦       10285

بقلم - شموخ نهار الحربي   

رمضان شهرٌ لا يشبه سواه فإذا أقبل أقبل معه نورٌ خفيّ يتسلّل إلى القلوب فيوقظها من غفلتها ويعيد ترتيب المشاعر في داخلها نشعر فيه بأن الزمن أبطأ قليلًا وبأن للروح مساحة أوسع تتنفّس فيها بعيدًا عن صخب الأيام وتعقيداتها
هو شهر الصبر الذي يعلّمنا أن نملك أنفسنا وأن نسمو فوق رغباتنا وأن نحتمل العطش والجوع راضين محتسبين وفي كل ساعةٍ من ساعاته تذكيرٌ خفيّ بنعمةٍ اعتدناها حتى ظننّاها أمرًا عاديًا فإذا فقدناها قليلًا عرفنا قدرها وشكرناها بصدق
وفي رمضان تقترب المسافات بين الناس تجتمع العائلة على مائدةٍ واحدة وتتوحد القلوب عند لحظة الأذان وترتفع الأكفّ بالدعاء في مشهدٍ يتكرر كل يوم لكنه لا يفقد أثره أبدًا وكأن في هذا الاجتماع رسالةً بأن الخير ما زال يجمعنا وأن الرحمة ما زالت تسكن بيوتنا
غير أن لرمضان وجهًا آخر أكثر عمقًا فهو لا يأتي وحده بل يحمل معه ذكريات أعوامٍ مضت وأشخاصًا كانوا بيننا في مثل هذه الأيام نجلس إلى مواضعهم فنلمح الفراغ ونستعيد أصواتهم وضحكاتهم ودعواتهم لنا عند الإفطار نتذكر وجوهًا غابت وأماكن كانت تمتلئ بهم ثم هدأت بعد رحيلهم فيذكّرنا رمضان بأن الدنيا عابرة وأن الأيام تمضي سريعًا وأن ما يبقى هو الأثر الطيب والدعاء الصادق
في لياليه حين يسكن كل شيء ويعلو صوت القرآن نشعر بقربٍ خاص من الله ونستحضر من فقدناهم فنرفع لهم الدعوات بقلوبٍ ممتلئة بالشوق والرجاء وكأن رمضان يعلّمنا أن الوفاء لا ينقطع وأن الذكرى الصادقة صدقةٌ من نوعٍ آخر
رمضان فرصةٌ حقيقية لنراجع أنفسنا ونصلح ما انكسر في داخلنا وأن نبدأ بدايةً أنقى وأهدأ أن نسامح وأن نعتذر وأن نمدّ أيدينا بالخير ما استطعنا فربما يأتي رمضان القادم وقد تغيّرت الوجوه وتبدّلت الأماكن
إنه شهرٌ يذكّرنا بقيمة اللحظة وبأهمية من حولنا وبأن أعمارنا ليست مضمونة لذلك فإن أجمل ما نفعله أن نعيش أيامه بصدقٍ كامل وأن نغتنم ساعاته في الطاعة والبر وأن نترك فيه أثرًا جميلًا يشبه أثر من سبقونا فالسعيد من أدرك رمضان فامتلأ قلبه نورًا وخرج منه أقرب إلى الله وأحنّ على الناس وأصدق مع نفس