الكاتب : النهار
التاريخ: ٠٤ فبراير-٢٠٢٦       16830

المدينة المنورة - حوار خاص - النهار السعودية
تتجدد الأسئلة حول الموهبة الشعرية وحدودها، والمسافة الفاصلة بين الإلهام الفطري والصنعة الواعية، وآليات الانتقال من الحسّ الأولي إلى التجربة الإبداعية الناضجة.

ويأتي هذا اللقاء مع الدكتور تامر إسماعيل حميدي لـصحيفة "النهار" السعودية، ليتناول قضايا صقل الموهبة الشعرية وبنائها على أسس معرفية ومنهجية، مستندًا إلى التراث الأدبي العربي، ومقاربًا أدوات الإبداع بلغة تعليمية واضحة.
كما يتناول عددًا من المحاور المتصلة باللغة والتعليم والذائقة، من أثر الذكاء الاصطناعي في تعليم العربية، إلى حضور المكان في تشكيل الوجدان الشعري، وأهمية ترسيخ الملكة اللغوية والانفتاح المعرفي، في إطار رؤية متوازنة تجمع بين الأصالة والتحديث

كيف تتحوّل الموهبة الشعرية الفطرية إلى إبداع؟ وما الأدوات العملية التي تُسهم في تجسير الفجوة بين الموهبة والصنعة الإبداعية؟

- لكل شاعر مقدار من الموهبة، هذه الموهبة قد تزيد وقد تنقص. وفي زيادتها احتياج لخطوات معينة لصقل هذه الموهبة، وفي نقصها خطوات أخرى لصقل الموهبة وإعادتها وترميمها.
و تقوم صناعة الإبداع على عشر خطوات أساسية، تشكّل في مجموعها مكوّنات التجربة الإبداعية.
الاستعداد الذهني: يبدأ بالاستعداد الذهني.
كثرة المقروء: القراءة والاطلاع المكثف.
وفرة المعاني.
معرفة الصور البيانية.
الموسيقى والموازين العروضية.
القوافي وما حولها.
النغم: خطوات تتعلق بالنغم.
كثرة الحفظ: والتأليف على غرار ما حفظ الطالب من قصائد وأشعار.
نظام التنغيم والتنعيم: وهو الكتابة على نغم من أنغام البحور الشعرية.
معالجة جوانب الضعف: يكون عند كل شاعر نقص في مجال من هذه المجالات.
 هذه المجالات هي مجمعة من كتب الأدب أساساً، وموجودة في كتب التراث الأدبي، وأنا فقط استخرجتها ونفضت الغبار من عليها وجعلتها في منظومة شعرية يحفظها الطالب، وبعد ذلك يتلمس أين الضعف، لو كان الطالب ضعيفاً مثلاً في مجال الصور البيانية، نعطيه تدريبات زيادة في علم البيان، ولو كان لديه ضعف في القاموس اللغوي أو المعجم اللغوي كشاعر، نحفظه بعض القصائد الطوال مثلاً، ويصبح لديه ثقافة لغوية من خلال هذا الحفظ، ولو كان عنده ضعف في المعاني والابتكار، ممكن نعاونه بإيجاد فكرة من صورة أو فكرة من حدث، نثير الشاعرية لديه للكتابة، وهكذا على بقية الخطوات التي قد يفقدها الشاعر أو تكون قوية عند شاعر آخر.


تحدثتم في مؤلفاتكم عن "الذكاء الاصطناعي" كيف ترون مستقبل تعليم اللغة العربية في ظل هذه الثورة التقنية؟

أتحدث عن الدور المحوري للذكاء الاصطناعي كمنطلق لتجاوز العقبات، موضحاً أنه يوصلنا إلى نقطة تُسمى «نقطة البداية من حيث انتهى الآخرون». وأرى أن هذه التقنية تفتح آفاقاً واسعة لتجاوز عقبات كثيرة قد تؤثر بشكل مباشر على نجابة الشخص وسرعة فهمه، فالمعلومات التي لا تستحق عناء كبيراً للوصول إليها، أصبح الذكاء الاصطناعي يتكفل بتوفيرها، مما يمنحني مساحة أكبر للتركيز.
وأضيف أن الموهبة تصبح مع هذه التقنيات أكثر عرضة للصقل، خاصة عند استخدام الأدوات التقنية لتسريع عملية الاستيعاب، وهذا التسارع يؤدي بالضرورة إلى «كثرة الإبداع» وتحقيق غزيرة ملموسة في الكتابة والإنتاج الأدبي، كما يتيح الذكاء الاصطناعي إمكانية تكثيف العمل الإبداعي وبنائه وفق أسس صحيحة ومنهجية.
ولا يقتصر دور الذكاء الاصطناعي على تعليم اللغة العربية فحسب، بل يمتد ليشمل كافة المواد الدراسية التي تتطلب وسائط مساعدة، إذ يوفر بسهولة ويسر كل ما أحتاجه المتعلم والمعلم من عروض توضيحية وشروحات وافية، وإضافات معرفية وشواهد تدعم المادة العلمية، إضافة إلى ملفات فيديو وصوتيات تعليمية متخصصة.
 

بعد فوزكم بالمركز الأول في مسابقة «شاعر طيبة»، كيف تصفون دور المكان (المدينة المنورة) في تشكيل الوجدان الشعري لديكم؟ وإلى أي مدى انعكس حضور معالم المدينة وأثر المدينة في الحضارة والتاريخ على تجربتكم الشعرية؟

تتجلى أهمية مدح المدينة المنورة في الشعر بوصفه واجبًا دينيًا وأدبيًا، إذ إن الثناء على هذه المدينة الطيبة ليس ترفًا شعريًا، بل هو لازم على كل شاعر يستشعر قدسيتها ومكانتها. ويزداد هذا الواجب تأكيدًا في حق الشاعر الذي يسكن المدينة، حيث تتحول إلى دين في عنقه، ويغدو مدحها ضربًا من الوفاء للمكان وحسن المواطنة والانتماء.
وجمال المدينة المنورة وبهاء معالمها، بما تحمله من تفاصيل روحية وتاريخية، يفرضان نفسيهما على التجربة الشعرية، ويستدعيان من الشعراء خاصةً وصفها والتغني بها، بوصفها فضاءً للجمال والإيمان معًا. فالمدينة ليست مكانًا عابرًا، بل مشهدًا حيًا يتجدد حضوره في الذاكرة والوجدان.
وفي هذا السياق، يستحضر الهدي النبوي بوصفه مرجعًا وجدانيًا وأخلاقيًا، مستشهدًا بالحديث الشريف: «أُحد جبل يحبنا ونحبه»، ليؤكد أن المكان، وإن كان جمادًا، يحمل دلالة وجدانية، فإذا كان الجبل يُحَب ويُحِب، فكيف بالإنسان، وبالشاعر على وجه الخصوص، تجاه هذه المدينة المباركة.
ومن هنا تتجلى وظيفة الشاعر  إذ لا يقتصر مدح المدينة ومعالمها على التعبير العاطفي، بل يتجاوز ذلك إلى تشويق الناس لزيارتها، وتقديم صورة من «حسن الوفادة» لكل من يقصدها زائرًا أو محبًا، عبر الكلمة الشعرية التي تجمع بين الجمال والدلالة.
أما على مستوى التجربة الشعرية، فقد خُصِّصت عددا من القصائد لمدح المدينة المنورة ووصف معالمها النبوية والتاريخية. وكان " جبل أُحد "في مقدمة هذه المعالم، حيث أفردت ُ له قصائد مستقلة استلهامًا من رمزيته ومن الحب المتبادل الذي ورد في السنة النبوية. كما نال "مسجد قباء "نصيبًا وافرًا من الشعر، بوصفه أول مسجد أُسس على التقوى، بما يحمله من قيمة روحية وتاريخية خاصة.
ولم تغب" بئر الخاتم "عن هذه التجربة، إذ خُصصت لها قصيدة مستقلة نظرًا لقيمتها التاريخية، إلى جانب تناول عدد من الآبار والمعالم الأثرية الأخرى، سواء بذكرها ضمن السياق الشعري أو بتخصيصها بالذكر، في محاولة لتخليد هذه الشواهد النبوية في الذاكرة الشعرية، وربط المكان بالتجربة الوجدانية واللغوية.

بصفتكم مقرئاً في شعبة الإجازات بالحرم النبوي، ما الأثر الذي يتركه نظام «الإسناد المتصل» في شخصية طالب العلم؟

أرى أن خدمة القرآن الكريم في المسجد النبوي ليست استحقاقًا شخصيًا ولا مقامًا يُدَّعى، بل هي توفيق إلهي وفضل ومنّة من الله عز وجل، أستشعر معها عِظم المسؤولية قبل عِظم الشرف. فالانتساب إلى هذا المقام يفرض على صاحبه وعيًا دائمًا بأن ما يحمله أمانة لا تشريفًا مجردًا.
ومن خلال نظام الإسناد المتصل يتكوّن في نفس طالب العلم حسٌّ عميق بالمسؤولية، إذ يغرس هذا النظام الرزانة والاتزان وحسن السمت، وهي الصفات التي تليق بحامل القرآن وخادمه. فالسند لا يمنح الإجازة فحسب، بل يصوغ الشخصية ويضبط السلوك ويؤسس لعلاقة واعية مع النص القرآني.
ويمنح الإسناد المتصل شعورًا بالانتماء إلى «أهل الله وخاصته»، وهو شعور لا يقف عند حد الاعتزاز، بل يتحول إلى التزام عملي بالظهور أمام الناس بأحسن تمثيل، وبأداء الدور المنوط بحامل القرآن قولًا وعملًا. فالإسناد مسؤولية أخلاقية قبل أن يكون اتصالًا علميًا.
وأصف هذا السند بأنه سند نوراني، يربطني بشجرة عائلة قرآنية ممتدة، تبدأ بمشايخي، مرورًا بالسلف الصالح، وصولًا إلى الصحابة رضوان الله عليهم، ثم إلى النبي ﷺ، ثم إلى جبريل عليه السلام، ثم إلى رب العزة والجلال. هذا الامتداد يمنح القارئ شعورًا بالطمأنينة والانتماء العميق إلى مسار نوراني متصل لا انقطاع فيه.
وهذا الانتساب في حقيقته «رحم علم»، أراه أسمى من أي رحم أو نسب عائلي، لأنه نسب يقوم على الوحي، ويتغذى على الأمانة، ويُبنى على الصدق في التلقي والأداء. فالإسناد ليس مجرد سلسلة أسماء، بل هو تاريخ إيمان متصل، وحملٌ متوارث لكتاب الله عبر القرون.
وتتصل هذه الشجرة النورانية بسلسلة مباركة تبدأ من رب العزة والجلال، ثم جبريل عليه السلام، ثم محمد ﷺ الذي بلّغ الرسالة وأدى الأمانة، ثم الصحابة رضوان الله عليهم، فالـتابعين، ثم المشايخ الأجلاء من السلف إلى المعاصرين، في مسارٍ محفوظٍ بعناية الله، تتوارثه الصدور قبل السطور.

ما أهمية حفظ المعلقات في تنمية الذائقة اللغوية وبناء الفصاحة لدى الطلبة والطالبات؟

تمثل المعلقات السبع شاهدًا حيًّا على بلوغ الفن الشعري العربي ذروة نضجه وتمام اكتماله قبل الإسلام، ويكفي أن يكون نزول القرآن الكريم متوجهًا بالتحدي إلى العرب في ميدانهم الأبرز، الشعر والنثر، ليكون ذلك أعظم شهادة على أن الأدب العربي آنذاك قد بلغ مستوى إبداعيًا رفيعًا، لا يُتجاوز إلا بمعجزة. فالتحدي القرآني لم يكن موجَّهًا إلى لغة بدائية أو ذائقة ساذجة، بل إلى أمة امتلكت ناصية البيان، وبلغت الغاية في الفصاحة والقدرة التعبيرية.
وقد جاء هذا التحدي في بيئة تضج بالعبقرية اللغوية، حيث كان الفصحاء والبلغاء يتقنون القول ارتجالًا، ويصوغون المعاني في أعلى درجات الدقة والجمال. ويُستشهد في هذا السياق بالحارث بن حلزة، الذي ألقى معلقته ارتجالًا دون إعداد مسبق، وهو ما يكشف عن رسوخ الملكة اللغوية، وهيبة الفن الشعري، وأصالة الذائقة العربية في تلك الحقبة.
ومن هنا تُعدّ المعلقات مدخلًا أساسًا لفهم إعجاز القرآن الكريم والبلاغة النبوية؛ فحفظ شعر العرب وكلامهم يرسّخ اللغة في النفس، ويفتح أفقًا واسعًا لفهم معانيها العميقة ودقائقها الأسلوبية. ولا يمكن إدراك عظمة كلام الله وجماله على وجهه الأكمل إلا من خلال مقارنته بأرقى ما وصلت إليه لغة العرب في شعرها، وهو ما تمثله المعلقات بامتياز.
كما أن الإلمام بشعر العرب يعين على فهم البلاغة النبوية، ولا سيما «جوامع الكلم» التي أوتيها محمد ﷺ، إذ لا يُدرك سمو هذا البيان إلا من عرف مستوى الفصاحة التي كان العرب يتداولونها، ثم وقف على الفارق النوعي الذي يميز الخطاب النبوي.
وفي ضوء ذلك، تُطرح منهجية واضحة لصناعة القصيدة المعاصرة بمرجعية كلاسيكية، تقوم على التدرج المعرفي؛ فيبدأ الشاعر بحفظ كلام العرب، ثم كلام النبي ﷺ، وصولًا إلى تدبر كلام الله عز وجل. فهذا التسلسل لا يصنع شاعرًا مقلِّدًا، بل يؤسس ذائقة راسخة ووعيًا لغويًا متينًا.
وفي الوقت ذاته، لا يعني هذا الجمود عند أساليب العصور الجاهلية أو الأموية، بل يستلزم مواكبة العصر بلغة تناسب واقعه، مع الحفاظ على جوهر العربية وموسيقاها الداخلية وموازينها العروضية. فالأصالة لا تناقض المعاصرة، بل تضبطها وتمنحها عمقها.
ويُحذَّر في هذا السياق من الإفراط في الصور البيانية والمحسنات البديعية، إذ هي أشبه بالحُلّة التي تُجمل القصيدة، فإذا زادت عن حدها شوّهتها وأخفت معالمها. كما يُنتقد الغلو في بعض اتجاهات الحداثة، كالإغراق في تراسل الحواس والغموض المنفصل عن الوعي، مع التأكيد على أن التصوير البياني المفهوم والمعقول سيبقى الأقدر على البقاء والتأثير.
بهذا المعنى، تظل المعلقات حجر الزاوية في بناء الذائقة العربية الرفيعة، والجسر الأمتن لفهم الإعجاز القرآني، واستيعاب البلاغة النبوية، وصناعة شعر معاصر متوازن لا يقطع صلته بجذوره ولا يعادي عصره.


كيف يمثل إتقان اللغة الإنجليزية "بوصلة معرفية" للأجيال الجديدة في قراءة العالم وفهم تحولاته
أرى أن اللغة الإنجليزية في عصرنا الحاضر لم تعد لغةً هامشية أو خيارًا ثقافيًا إضافيًا، بل هي اللغة الأكثر انتشارًا وتداولًا في العالم، والنافذة الأوسع على المعرفة الإنسانية المعاصرة.

لهذا أعتقد أن إتقانها لم يعد ترفًا فكريًا، ولا مجرد مهارة مساعدة، بل تحوّل من كونه «فرض كفاية» إلى ضرورة حقيقية لا غنى عنها، خاصة للأديب والشاعر.
إن امتلاك لغة ثانية، وفي مقدمتها الإنجليزية، يفتح أمام المبدع العربي أفقًا أوسع للاطلاع على الآداب العالمية، ويمنحه قدرة حقيقية على المقارنة والتفاعل، لا الاكتفاء بالمشاهدة من بعيد.

هذا الاطلاع العميق يخلق حالة من تلاقح الأفكار بين الأدب العربي وغيره من الآداب، ويُثري التجربة الإبداعية، ويمنحها بعدًا إنسانيًا أشمل، وهو جوهر الأدب المقارن في صورته الحية، لا الأكاديمية الجامدة.
ولعل تجربة أحمد شوقي مثال واضح على ذلك؛ فقد استطاع، من خلال اطلاعه على المسرح الأوروبي، أن يستلهم أعمال شكسبير ومولييه، ويعيد صياغتها واقتباسها بما يتلاءم مع الذائقة العربية، فأسّس بذلك للشعر المسرحي في الأدب العربي، دون أن يفقد هويته أو خصوصيته الثقافية.
ومن هنا، أؤكد أن تعلم اللغة الإنجليزية ينبغي أن يبدأ في سن مبكرة، لأن اللغة، كلما تأخر الإنسان في تعلمها، ازدادت صعوبتها وتعقّد امتلاكها. التعلم المبكر لا يسهّل الإتقان فحسب، بل يجعل اللغة أداة طبيعية للتفكير والإبداع، لا عبئًا تقنيًا يُثقل على المبدع في مراحل متقدمة من عمره.