النهار
بقلم- عبدالمحسن محمد الحارثي
ليس كل لقاءٍ حدثًا اجتماعيًا، فبعض اللقاءات مراجعة هادئة للعمر، واعترافٌ صريح بأن ما يبقى من السنين هو أثرها لا عددها.
وبعد أكثر من نصف قرن ؛ التأم شمل رجالٍ درّسوا في مدرسة يحيى بن أكثم المتوسطة، وبعضهم جلس يومًا على مقاعدها طالبًا، ثم عاد إليها زميلًا لأساتذته؛ في صورة نادرة يُصافح فيها الماضي الحاضر دون تكلّف.
تنوّعت مسارات الحضور:
أستاذ جامعي، ومشرف تربوي، ومدير ووكيل، ومرشد طلابي، ورائد نشاط، ومعلم حمل الرسالة حتى آخر سطر في الدفتر.
اختلفت المواقع، لكن الجوهر واحد؛ فكما يقول جون ديوي:
«التعليم ليس إعدادًا للحياة، بل هو الحياة نفسها.»
وقد عاش هؤلاء التعليم حياةً كاملة، لا مهنةً عابرة.
عمل الزمن في الوجوه ؛
لكنه لم يعمل في القيم.
بعضهم ما زال يحتفظ بالحيوية ذاتها، وكأن السنوات مرّت احترامًا لا إنهاكًا.
وحين ذُكرت أسماء من غادروا إلى دار البقاء، جاء الدعاء صادقًا، لا بوصفه واجبًا اجتماعيًا، بل وفاءً خالصًا، مصداقًا لقوله تعالى:
﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ﴾.
لقاء نوعي فخم ؛ لا بزخرفته، بل بفخامة رجاله.
مقابلات صحفية، صور تذكارية، ضحكات صافية، ومواقف طريفة خرجت من ذاكرة المدرسة كأنها لم تشخ.
والأجمل: مبادرة جماعية على استمرار هذا التجمع، ولو نصف سنوي، بدافع الشوق لا المجاملة. وكما قال باولو فريري:«التعليم فعل حبّ، ومن لا يحبّ لا يستطيع أن يعلّم.»
وكان هذا اللقاء فعل حبٍ واضح المعالم.
هذا المشهد لا يستدعي الحنين بقدر ما يقدّم رسالة:
الحياة جميلة حين نعود إلى جذورها، وحين نلتقي لنحتفي بالأثر لا بالألقاب، وبالصحبة لا بالمناصب..فالزمن الجميل لا يُستعاد ؛ لكنه يُستحضر كلما اجتمع أهله بصدق.
"قد تمضي الأعوام ؛ لكن القيم التي صُنعت في ساحات التعليم لا تشيخ، ومن عاش معلّمًا ؛ بقي أثرًا ".