الكاتب : النهار
التاريخ: ٠٣ فبراير-٢٠٢٦       3520

النهار - نوره محمد بابعير 

في جلسة اتسمت بالصراحة والوضوح، حملت عنوان "نصف ساعة مكاشفة: ماذا يحتاج الإعلام العربي ليكون عالميًا؟" ضمن فعاليات المنتدى السعودي للإعلام، طُرحت أسئلة جوهرية طالما شغلت العاملين في الحقل الإعلامي: هل يرانا العالم مصدرًا موثوقًا للمعلومة؟

الجلسة التي جمعت نخبة من القيادات الإعلامية والفكرية، لم تكتفِ بتشخيص الواقع، بل فتحت الباب أمام مساءلة الذات الإعلامية العربية، ومعايير حضورها وتأثيرها في المشهد العالمي، في ظل عالم تتسارع فيه صناعة الخبر، وتتنافس فيه المنصات على كسب ثقة الجمهور الدولي.

الصحفي والمذيع خالد مدخلي طرح الإشكالية بوضوح، مؤكدًا أن الإعلام العالمي لا يتعامل مع الجميع على قدم المساواة، بل يختار مصادره بناءً على معايير مهنية صارمة، أبرزها سرعة الوصول، ودقة المعلومة، والقدرة على تقديم القصة من زاوية إنسانية مفهومة عالميًا. وأشار إلى أن كثيرًا من القصص العربية تُروى محليًا، لكنها لا تُصاغ بالضرورة بطريقة تجعلها قابلة للانتقال خارج حدودها الجغرافية.

واستشهد مدخلي بقصة انتقال اللاعب الفرنسي كريم بنزيما إلى الدوري السعودي، موضحًا كيف تعاملت وسائل الإعلام العالمية مع الخبر بوصفه حدثًا يتجاوز كونه صفقة رياضية، ليرتبط بسياق أوسع يتصل بالتحولات الاقتصادية والثقافية والرياضية في المنطقة، بينما اكتفى جزء من الإعلام العربي بنقل الخبر في إطاره التقليدي، دون تعميق أو قراءة دلالاته الأبعد.

من جانبه، أوضح د. مأمون فندي، مدير معهد لندن للدراسات الاستراتيجية، أن المشكلة الجوهرية في الإعلام العربي تكمن في أن رسائله غالبًا ما تُوجَّه إلى الداخل، ولا تُبنى ابتداءً على افتراض الوصول إلى جمهور عالمي في عواصم مؤثرة مثل واشنطن ولندن. وأكد أن العالمية لا تعني التخلي عن الهوية، بل تعني إعادة صياغة القصة بلغة إنسانية مشتركة، تحترم المعايير المهنية الدولية، وتفهم طريقة تفكير المتلقي العالمي واهتماماته.

وأشار د.مأمون فندي إلى أن كثيرًا من القضايا العربية تحمل بعدًا إنسانيًا وسياسيًا قادرًا على التأثير عالميًا، لكن غياب السرد الاحترافي، أو الوقوع في الخطاب التبريري أو المحلي الضيق، يفقد هذه القصص قدرتها على النفاذ إلى الإعلام الدولي.

أما جميل الذيابي، رئيس تحرير صحيفة عكاظ، فشدّد على أن الوصول للعالمية لا يتحقق بالرغبة أو الشعارات، بل بالالتزام الصارم بأساسيات العمل الصحفي، وفي مقدمتها التحقق، والاستقلالية، وصناعة القصة لا الاكتفاء بإعادة تدويرها. وأشار إلى أن الإعلام العربي يمتلك مادة ثرية، لكنه يحتاج إلى صحفي يفكر بعقل عالمي، ويمتلك أدوات مهنية تؤهله لأن يكون صانع خبر لا مجرد ناقل له.

وانتهت الجلسة إلى مكاشفة صريحة مفادها أن التحدي الحقيقي أمام الإعلام العربي ليس في نقص القضايا أو المنصات، بل في طريقة السرد، وفي القدرة على طرح الأسئلة الصحيحة، وصناعة قصة يفهمها العالم ويهتم بها.

فالعالمية ليست مسألة لغة أو انتشار فقط، بل عقلية تحريرية تبدأ من إدراك أن الخبر المحلي، إذا صيغ بوعي ومعايير مهنية عالية، يمكن أن يصبح قصة عالمية بامتياز